المنبوذ – قصة لمشهور البطران

الإهداء:

إليه:الذي فر من منفى إلى منفى.

هل كل المنافي واحدة يا صديقي؟!

 

***

 

… من هو أبي أيتها الأم الطيبة؟!إلى متى سأبقى معلقا في مشنقة هذا السؤال. إلى متى تبقى أسئلة الناس بلا جواب؟.

أسئلة لا تهجع، تتبعني كظلي في النهار، تؤرقني في مساءاتي الصامتة الكئيبة، وتنام معي في السرير. أسئلة كبرت مع الطفولة حتى تضخمت واستحالت إلى دمامل مقيحة، وكلما فقأت واحدا منها فقس حوله عشرة أخرى. لم يقلها أحد بصراحة، إنما كنت أقرأها في عيونهم وهي تشيح الأبصار عني، وفيما بينهم يرددونها ألف مرة كل يوم.

لم يكن لي أصدقاء، كانوا يهربون من وجهي، كنت أجلس وحدي على مقعد الدراسة، ويوما سألت المعلم:

-“هل أنا أجرب؟. ” أجاب:

-لا.

-” إذا لماذا لا يجلس أحد بجانبي؟”.

لم يكن لديه جواب واضح، ربت على كتفي بحنان وقال:-” أنا اجلس بجانبك. ”

سألته:

” ألم يكن للأشرار أولاد طيبون ؟ “فهز رأسه إيجابا قاطعا علي أسئلة مريرة لا تنتهي.

***

لقد كان الإنسان الوحيد الذي فهمني في هذا العالم، كان مثالا للإنسان الذي ابحث عنه في داخلي، فهو دون كل المعلمين متواضع في هيئته عظيم في إنسانيته، وقد ترك في انطباعا: أن المعلمين أنبياء هذا الزمان. كان إذا دخل الفصل ينشرح صدري لتلك الابتسامة العريضة التي لا تفارق محياه اللطيف، إنسان كل زاده من الحياة حزمة من الكتب القديمة لا تفارق يمينه، وأينما حل أراه يطالعها من وراء زجاج نظاراته السميكة، كانت عناوينها تثير لدي شغفا هائلا للمطالعة:”المدينة الفاضلة، الرسالة البغدادية، الأرض الخراب، في انتظار غودو، الوجودية، الإنسان ذلك المجهول. ”

ومن سوء حظي انه أدبر من محيط حياتي ولم اعد أراه، وسقطت بعده في بحر الوحدة المتلاطم لا ملجأ لي إلا حجرتي الباردة.

***

حتى أحلام، الفتاة التي أحببتها ومنحتها كل حياتي، هي الأخرى طردتني، وما زالت كلمات أبيها-ذي الوجه الصارم المجعد-تعذبني بوخزها الأليم:

“لا أريد أن أرى وجهك في هذا البيت يا ولد. ”

نمت تلك الليلة مضطهدا يثقلني إحساس ممض: أنني ما عدت مرغوبا من أحد في هذا العالم.

راجعت في صفحة السقف الذي يظلني يوما مأساويا يتكرر منذ أن خرجت إلى دنيا الله.

في الصباح صحوت من النوم مؤرقا بالكوابيس، رأيت أمي تطعش في المطبخ، ألقيت عليها تحية الصباح ومشيت في الطرقة المؤدية إلى الشرفة، بعد هنيهة جاءت وفي يدها طبق عليه فنجان قهوة وحيد. وقفتْ محاذاتي مباشرة تحدق في المقعد الذي اجلس عليه، ثم أخذت تهش بيدها نحوي قائلة :

-“فلتذهب إلى الجحيم أيها القط. ”

ثم وضعت القهوة وغادرت الشرفة وهي تلغط بعبارة من قبيل:

-” أقرفتني القطط عيشتي. ”

لقد فكرت في تلك اللحظة أن أمي أصابها الخبل، إذ لم أر قططا حولي ولم يكن في الشرفة مخلوقا غيري. بعد ذلك نادت علي لأشرب القهوة، كانت بعيدة عني مترين فقط، فقلت أحدث نفسي بصوت مسموع:

-” لعلها فقدت بصرها. ”

انتبهتْ إلى صوتي وأجابت:

-” أين أنت. . قهوتك جاهزة. ”

تركت القهوة دون أن اشربها وصعدت إلى حجرتي لأبدل ملابسي، فتحت الدولاب ونظرت في المرآة فأدركت أن أمي لم تكن مخبولة ولا عمياء، إذ لم أشاهد نفسي في الصقال، بل شاهدت القط الذي شاهدته أمي.

تفقدت نفسي جيدا؛ مرة في الواقع وأخرى في المرآة فلم أر في نفسي إلا ذاك الحجم الصغير لقط أبيض مرقش بدوائر بنية وذنب ناعم رمادي وعينان تبرقان مثل التماع الضوء في هشيم الزجاج ومخالب حادة معقوفة أشبه بمناقير الصقور.

لقد فكرت أنني أحلم ورحت ابحث عن مبررات تؤكد افتراضي وفي كل مرة كان يحدث العكس، كان الواقع ماثلا أمامي مريرا في ستائر الساتان التي مزقتها مخالبي وأنا أحاول استجلاب الضوء إلى الغرفة المظلمة، وفي موائي المقطع الحزين كلما حاولت الصراخ وفي وثباتي المتطاولة التي لا تدركها القدرة الإنسانية وأنا أنط في الحجرة غضبا وجزعا على ما أصابني.

واقتنعت أخيرا أنني مسخت إلى قط، ولذت بالصمت والوحدة، تارة انظر في المرآة وأخرى في نفسي حتى استسلمت كرها لقدري.

فكرت طويلا، ترى كيف تستقيم حياتي مع هذا البلاء الذي حل في بدني؟وماذا تخبئ لي مفاتيح القدر؟وبماذا تتوعدني الحياة مع هذا الجسد الحيواني الصغير؟.

فكرت بأمي كذلك، كيف لها أن تتقبل مثل هذه الكارثة وهي التي نذرت حياتها من اجلي وترملت في صباها ورفضت كل عروض الزواج من اجلي. ؟

كان الواقع ماثلا أمامي مريرا في ستائر الساتان التي مزقتها مخالبي وأنا أحاول استجلاب الضوء إلى الغرفة المظلمة، وفي موائي المقطع الحزين كلما حاولت الصراخ

وشعرت بأمس الحاجة للوحدة، غادرت البيت صوب جبل قريب، جلست تحت بلوطة ظليلة أفكر في نفسي. استعدت شريط حياتي كله استوقفتني محطات كثيرة، وخرجت بحقيقة فيها شيء من الراحة:” أنني ما زلت في جوهري إنساني النـزعة وان شكلي البراني فقط هو الذي اعتراه المسخ. ” استرحت إلى هذه الحقيقة وخاطبت نفسي:” نصف مأساة أفضل من مأساة كاملة. ” بقيت ممدا في الظل ساعات طويلة أراقب الأفق الممتد تحت قبة السماء المتعالية، رأيت المقبرة من بعيد تلوح أمامي بشواهدها الكئيبة التي استحال بياضها إلى لون داكن مقيت، وفكرت أن ازور قبر أبي الذي أثقل كاهلي بإرثه السيئ، ذهبت إلى المقبرة، لم أكن بحاجة إلى دليل للوقوف على قبره، فهو دون كل القبور بلا شاهد، تحيط به أشواك القريس الناشفة التي سويت بالأرض من رتع الكلاب الضالة. صعدت على القبر وجلست على أربعتي وبي حزن مقيم لا عليه بل على نفسي التي هدرت إنسانيتها، وراودتني رغبة ملحة بالتبول على قبره، ولكني لم افعل لا أسفا عليه بل شفقة على نفسي من عقوق حيواني.

:”بعت نفسك بثمن بخس، آآآخ ترى ماذا كان ينقصك حتى رميت بنفسك في ذلك المستنقع القذر؟ آه، لولا أن احدهم فعلها ربما لكنت أنا أول من بادر إلى سل روحك. . كنت تتوهم انك ستكون في منجى ولم تدر أنني سأكون أول ضحاياك، ترى أي بحر سيطهرني من جرمك الأبدي؟!فلتشقى في مماتك كما أشقيتني في حياتي ”

عندما هل المساء لم أفكر بالعودة إلى البيت سيما أني لم اتخذ قرارا بعد بشأن أمي فهي لو علمت بالأمر ربما تفقد صوابها أو تصيبها في أحسن الأحوال جلطة تقعدها في فراش عجزها.

همت تلك الليلة في الشوارع أتنقل من حي إلى حي ومن زقاق إلى آخر، وأثار توحدي وانعزالي القطط الهائمة فتقاطبت علي ولم اخلص منها إلا بشق الأنفس.

الدروب شبه خالية، المدينة ميتة لا حركة ولا نأمة باستثناء ارتعاشات الأضواء الخجولة المنبعثة من خصاص النوافذ، ، بين الحين والآخر يتناهى إلى مسامعي هسيس معارك الليل من وراء الجدران، اشعر بالأمان وحيدا في هذه الملتويات.

استرعى انتباهي سيارة واقفة على ناصية الدرب قرأت أرقامها الستة التي لا تخطئها الذاكرة، إنها سيارة الرجل ذو الوجه الصارم المجعد، ترى أين هو الآن وماذا يفعل في هذا الحي الغارق في عفونة المزابل؟!.

دنوت في مسيري من بيت أرملة جميلة وعفيفة تعيش متوحدة في بيت عزلتها منذ أن مات عنها زوجها، كنت متعاطفا مع مأساتها ذلك أن الروايات التي تتردد في جنبات الحي ترجح أن زوجها احد ضحايا أبي، وما أن دنوت من نافذة بيتها حتى دهمني همس محموم مختلج بأنفاس اللذة المحرمة، دفعني الفضول فتشعبطت النافذة، رأيت الرجل ذو الوجه المجعد الصارم شبه عاريا يسرق لذته من الأرملة وقد راعني منظره البشع بعريه القبيح ورأسه الأصلع اللامع كأنه مدهون بالزيت.

كان يحاول أن يمزق جلدها بأظافره وقد جحظت عيناه وكأن رعشة كهربائية جمدت حنكيه فيما صدى لذته يعوي بهلع بين جدران الحجرة.

غادرت المكان يلفني شعور بالتقزز من هذا الرجل الذي كنت اعتبره مثالا للفضيلة وانغرزت صورته في ذاكرتي بشيء أشبه بكتلة مخاط متحركة، ترى ماذا سيكون من شأن أحلام لو علمت أن أباها يسرق اللذة المحرمة من امرأة غريبة، وانتابني شعور غامض:أن سعادة البشر الحقيقية تكمن في أنهم لا يعرفون حيوات بعضهم تمام المعرفة.

في آخر الليل نهشني الجوع والبرد ولم ادر بأي طريقة إداري جوعي. لقد سبق لي أن رأيت القطط تأكل من حاويات الزبالة ولكنني مقت هذه الفكرة ولم استوعب أبدا أن أدلي رأسي في حاوية نفايات بحثا عن بقايا طعام.

قررت أن أعود إلى البيت ولكن من دون أن تشعر أمي بذلك، واستأنست لفكرة أن تكون أمي نسيت نافذة المطبخ مشرعة، بل أنني رجحت أن تكون النافذة مفتوحة ذلك أن أمي قصيرة القامة فهي في غالب الأحيان تتكاسل عن الإتيان بكرسي لتطول لقاطة النافذة.

في طريقي إلى البيت كانت الدروب شبه خالية وبين الحين والآخر تمر دوريات العساكر، وعندما شارفت بداية الحي رأيت رجلا يدلي رأسه في حاوية نفايات ويجمع في أكياس صغيرة بقايا الطعام والملابس القديمة. أثار الرجل فضولي فوقفت بعيدا عنه لأشخصه، لم يكن المنظر مألوفا لدي في هذا الحي الراقي، ولما انتشل رأسه من الحاوية رأيت وجهه في الضوء الذاوي، لم اعرفه بالاسم ولكنه رجل فقير يتردد على الحي، أثار منظره البائس قشعريرتي، صعدت الدرج وأنا أترحم على الإنسان الذي في داخلي. وجدت النافذة مفتوحة (فتشعبطت) إليها وولجت بين عوارضها ثم قفزت إلى ارض المطبخ بخفة ورشاقة وصورة الرجل الفقير ما زالت ماثلة في مخيلتي تطاردني.

اختلست نظرة من شق الباب إلى حجرة أمي فوجدتها بين نوم وصحو، تتقلب في مضجعها بحركات عسيرة كأنها نائمة على حصيرة من حطام زجاج، كانت تهلوس وتهذي بكلام من وحي كوابيسها، وسمعتها غير مرة تبكي في نومها، فقدرت أنها تبحث عني في متاهات أحلامها.

كاد الجوع يعصرني، فتحت باب الثلاجة بصعوبة بالغة وأكلت بقايا طعام ونمت على البلاط العاري حتى الشروق. ولم أصح إلا على زعيق أمي وهي تهش علي بمقشة:

-” اذهب من هنا أيها القط الوسخ. ”

هربت من أمامها وهي تتمتم:

-“منذ أن جاء هذا القط والمصائب لم تفارق هذا البيت. ”

عدت إلى الشارع من جديد ورأيت ذات الرجل الفقير جالس على ناصية الشارع حزينا بائسا. “أين سأذهب؟. ” هذا السؤال الكبير الذي بدأ يلح علي، فلا أنا قط مع معشر القطط ولا إنسان مع البشر، هذا السؤال بدأ يخيفني حد الرعب.

فكرت أن اذهب إلى بيت أحلام الفتاة التي أحببتها ومنحتها كل حياتي ولم ألق منها إلا الصدود والرفض.

“كانت أحلام محط أحلامي، كنت اتبعها كظلها من غير أن تشعر، يدفعني في ذلك حب استوطن مني الفؤاد، فتاة جميلة وهادئة ورزينة تمشي في الطريق متلفعة برداء فضفاض يغطي مفاتن غاية في الروعة وعلى رأسها تضع منديلا ابيضا فلا يبين منها إلا ذاك الوجه الصبوح الذي يقطر ندى. كانت ببهائها محط أنظار الشباب ممن هم في سني ولكنها كانت تسمو بذاك الجمال إلى مراتب القداسة. وكنت- بحكم الجيرة وقرابة بعيدة من ناحية الأم- ادخل بيتهم، فقربت الأيام بين قلبينا، حتى جاء ذاك اليوم الذي كشف فيه عن فضيحة أبي، فطردت من بيتهم شر طردة. “كيف سنزوج ابنتنا لشاب كان أبوه متعاونا مع الأعداء. ”

لقد رفضتني أحلام، ليس هي فقط إنما كل العائلة، ومن المؤكد انه نفس السبب الذي من اجله رفضني المجتمع وقذف بي على قارعة الطريق”

اقتربت من البيت وبي خشية من أن يكون احد أفراد العائلة يكره القطط فيضربني، وخصوصا الأب الصارم ذو الوجه المجعد، مع ذلك ذهبت مستمدا العزم من حيوانيتي الأليفة.

لاح لي البيت الإمبراطوري من بعيد مثل كثدرائية بشرفاته المعلقة ونوافذه المقوسة، وجدت النوافذ والأبواب مغلقة جلست على رأس الدرج اجتر حسرة الذكريات الآفلة، بعد فترة سمعت صرير الباب ينشق عن وجه طالما خبرته انه وجه الأب الصارم المجعد، انتحيت جانبا خوفا من ضربة طائشة، ولكنه على غير ما توقعت، انحنى علي وراح يمس على ظهري برفق وحنان منقطع النظير وبدأ يداعبني ويردد عبارة:

-“يا لك من قط جميل. ”

حملني بين يديه وضمني إلى صدره، فشعرت بتيار جارف من القرف إذ لم انس بعد مشهد عريه القبيح، وضعني داخل البيت ثم نادى أحلام وقال لها:

-“يا أحلام. . لدينا ضيف اهتمي بأمره. ”

لم يكن في البيت إلا هي قمت بحركات لطيفة لا تحملها على طردي، جلست بهدوء تحت المروحة المعلقة في السقف انشد طراوة الهواء، بين الحين والآخر اقتنص نظرة فاحصة إليها لأقيس مدى اطمئنانها إلى زائر غريب. وجدتها حيادية تميل إلى الاطمئنان إلي أكثر من حذرها مني. مع الوقت صارت تتصرف بشكل عادي وكأنني غير موجود، كانت تلبس ملابس ناعمة تشف عن جلد ابيض نظيف، تمرح أرجاء الدار بخفة ورشاقة، تارة تقف أمام المرآة وأخرى ترقص على نغمات اسطوانة هادئة، وفي لحظة عصية على الفهم رأيتها تمس صدرها الناتئ ورقبتها الرشيقة وتلك المناطق العذراء المتوارية وكانت بين الحين والآخر تتأوه وتئن مثل قطة، راقبت تلك الحركات المثيرة بروح إنسان وشبق قط من دون أن أجرؤ على الإتيان بأي حركة قد تحملها على طردي. وبقيت أتنقل في أرجاء الدار إلى ما قبل الظهيرة بقليل، وخشيت أن تمل عشرتي فانتهزت فرصة وغادرت البيت منتشيا بتلك التجربة الرائعة التي عشتها لدرجة أني نسيت- ولو مؤقتا -أحزان أمي التي لا تدري شيئا عني حتى هذه اللحظة.

***

أين سأذهب؟!، لا شيء يقتلني مثل الرتابة، أتنقل من شارع إلى آخر، كل شيء يتكرر، الشوارع مقفرة والحارات كئيبة، لا شيء يتجدد في هذه البقعة من العالم إلا وجوه العساكر التي تعلوها غبرة الطريق.

قادتني شراهتي إلى شارع القصابين منقادا طواعية لرائحة اللحم الأحمر المعلق على شناكل الحديد في أقفاص الزجاج. كانت عيون القصابين تتبعني بحذر، وارتعبت من ضربة طائشة محتملة من احد القصابين فمشيت بحذر.

حملني بين يديه وضمني إلى صدره، فشعرت بتيار جارف من القرف إذ لم انس بعد مشهد عريه القبيح

اشتدت ألازمة في الشارع فخفت من المشي بين أقدم الناس، انتحيت جانبا ريثما تخف الحركة. كان رجلا جالسا أمامي يتابع جريدة، ألقيت نظرة سريعة على الجريدة المفتوحة بين يديه فرأيت صورتي الإنسانية وتحتها عبارة بخط اسود عريض:” شاب مفقود، طويل القامة شعره اسود سبط، وجهه حنطي وعينية سوداوان. كل من يتعرف عليه يتصل على الرقم المذيل في نهاية الإعلان. ” آه كم أنا مشتاق لأنساني الغائب.

سمعت احدهم يقول لصديقه:

-” أليس هو ابن الرجل الذي قتل قبل عدة أعوام؟. ”

أجاب الآخر:” هو بعينه. ” وتابع:

-“وقد يكون لاقى مصير أباه الخسيس الذي باع نفسه للاحتلال. ”

لم تزد عبارة الرجل من أحزاني، ذلك أني تشبعت من هذا الكلام. قرأت الإعلان وقرأت معه حزن أمي، انسحبت من السوق وهناك قرار بدأ يتبلور في ذهني أن أعود إلى البيت وأصارح أمي بحقيقة الأمر فمهما يكن الأمر فإن قط بروح إنسان أفضل من أن تموت كمدا وهي تبحث عني.

قصدت البيت، وجدت الباب مغلقا وكذلك نافذة المطبخ فاضطررت لتشعبط السور على ما فيه من خطورة وقفزت في صحن الدار، وجدت أمي جالسة وراء مكنة الخياطة تدرز ثوبا من خلال أسى دموعها المريرة. نظرتْ إلي مستسلمة وكأنما اعتادت ثقل ظل هذا القط لكنها هشت بيدها على الأقل لابتعد من أمامها.

“ترى كيف أواجهها بهذه المعجزة؟!” بعد تردد مرير جمعت شجاعتي وقلت لها:

-” أمي. . .

وتعلق لساني عند تلك الكلمة ولم استطع تحريكه بكلمة إضافية، أما هي فقفزت من وراء المكنة فرحة مستبشرة:

-“ولدي!. . أين أنت؟!. . كنت واثقة انك ستعود. ”

تفقدتْ الممر والمطبخ والشرفة وغرف النوم دون أن تجد أثرا لذلك الصوت الإنساني، فعادت تبكي من جديد وتجوب أنحاء الدار بهلع وجنون وارتياب:

-” ولدي أين أنت؟!. ”

عندها قررت أن أضع حدا لتلك المأساة، قلت لها:

-” أمي أنا أمامك. . أنا القط الذي أتكلم. ”

في تلك اللحظة سقطت على الأرض مغشيا عليها، أصابني الارتباك، ولم ادر ما أنا فاعل، إذ لم تكن قواي ولا حركاتي تسعفني في شأن كهذا، فلا بمقدوري أن ارش على وجها ماء أو حتى مساعدتها على التنفس، لذت بالصمت والحزن وأنا جالس إلى جانبها حتى أفاقت من غيبوبتها وهي تهلل وتستغفر من خلال غلالة دامعة تنسرب من مآقيها.

وفيما بدأت تستعيد رشدها قلت لها:

-” هذه هي الحقيقة يا أمي، يجب أن نتقبلها ونتعايش معها. ”

راحت تبكي من جديد وتتمتم بكلمات يقطعها الأسى والحسرة:

-” ولكن كيف سيتقبلك الناس وأنت مخلوق دوني. ”

أجبتها محاولا التخفيف من آلامها:

-” لم يتقبلني الناس وأنا إنسان حتى يتقبلني وأنا قط!!، على العكس يا أمي إنني في وضعي الحالي أكثر قبولا من قبل. ”

-“وكيف ستتدبر شؤونك، كيف تعيش وتتزوج ؟. ” سألتني بحرقة. أجبتها:

-” يكفيني أنني أحب وهذا يغنيني عن الزواج إلى الأبد. ”

أخذتني في حضنها الدافئ وراحت تمس ظهري بيديها اللطيفتين وبلمسات الحنان التي أعادتني إلى طفولتي الهاربة.

“آه كم هي حنونة وصبورة، قضت حياتها تدرز على آلة الخياطة وعاشت بشرف في الوقت الذي كان فيه أبي يرتع في المال دون أن تفكر ولو مرة واحدة أن تمد يدها إلى ذلك المال الدنس. كانت تعرف انه باع نفسه للشيطان في وقت متأخر من حياتهما الزوجية ومنذ تلك اللحظة لم تدعه يلمسها أو يقترب من فراشها كانت تقول له لولا خطيئة هذا الولد لتركت لك البيت. ”

قالت لي:

-“لقد أتعبنا أباك ميتا وحيا وها نحن ندفع ثمن خسته ونذالته. ”

-“يجب أن ننسى الماضي وننظر إلى المستقبل يا أمي. ”

-“وهل بقي لنا مستقبل. ؟!” سألتني بجزع.

***

مع الأيام بدت أمي أكثر تقبلا للواقع، خفت حدتها وتراجعت أحزانها، وانشرح صدري لهذا الواقع الجديد، في نفس الوقت بدأت المح الكثير من الأمور الغامضة في حياة أمي. لاحظت أنها تغيب عن البيت كثيرا، وهي من النوع الذي لا يغادر البيت إلا في المناسبات الملحة. فهي لا تخرج من البيت إلا يوم الخميس لتزور موتاها. صار مغيبها يقلقني فسألتها ذات يوم وكانت عائدة من احد مشاويرها :

-“تغيرت كثيرا يا أمي؟!. ”

كانت تتحايل في كل مرة تخرج فيها بشكل مختلف عن سابقه، تارة تزور موتاها وأخرى تزور أهلها، لم ينطل علي كلامها، في نفس الوقت بدأت المح تغيرات في الطعام فأدركت أين تذهب أمي. قلت لها:

-” انك تتعبين نفسك من غير طائل وأنت تدورين على العرافين والمشعوذين سعيا لإرجاعي إلى طبيعتي الإنسانية. ”

وحين تعجز عن الإجابة كانت دموعها تسبقها. واتفقنا على أن تتوقف عن اللجوء إلى الشعوذة. وأمنت لكلامها.

ولكنها لم تستسلم لقدرها بل استمرت في العناد وذات يوم تناولت وجبة من الدسم وما أن أنهيت غدائي حتى رحت أتلوى وكأني ابتلعت مدية وكاد الأمر ينتهي بكارثة. ووقفتْ عاجزة حيال مأساتي لا يسعفها إلا بكائها، قالت :

– “أنقلك إلى المستشفى؟”

-“في مستشفياتنا لا يعالجون البشر كما ينبغي فما بالك بالقطط. ”

-“وهل تريدني أن أتسمر هكذا وأنت تموت أمامي. ”

-“إن موتي أفضل من كشف أمري. ”

قالت:”إذا نذهب إلى طبيب بيطري. ”

-“انه خيار أسوأ من سابقه. . الأطباء البيطريون لا يعالجون إلا الأغنام والأبقار وما يجلب النفع المادي وان ذهابي إلى احدهم يثير ألف سؤال مريب. ”

دأت المح تغيرات في الطعام فأدركت أين تذهب أمي

فانبرت للبكاء واللطم، ولكنها لم تعدم الوسيلة للتخفيف من آلامي فجلبت لي كوبا من نقيع الجعدة وخلائط من الزعتر والبابونج. التزمت الفراش ثلاثة أيام متتالية وفي كل يوم أتناول وصفة من وصفاتها الشافية حتى تماثلت للشفاء. قلت لها:

-” يجب أن تقلعي عن أوهامك وتتقبلي الأمر مثلي عندها ربما نحس ببعض السعادة. ”

فأومأت لي بالموافقة.

***

خرجت من البيت وطيف أحلام يراودني، لقد اشتقت لرؤيتها، قصدت البيت، ولم اعدم الوسيلة للدخول، وجدت البيت مزدحما لم يغب أحد من ساكنيه وكانت أحلام موجودة رفقة خطيبها، نظرت إليه نظرة ازدراء، هذا الشاب الذي فضلته علي، فضيلته الوحيدة أن أباه ليس عميلا!، وما أن رأتني حتى حملتني بين يديها الناعمتين وقالت لأمها:

-“لدينا ضيف. ”

كانت الأم منشغلة في مطبخها، كابية تخفق البيض في كوب من الحليب، ومن نحرها الأبيض يتدلى عقد من الذهب زادها جمالا وعذوبة. قالت الأم:

-“حقا انه قط جميل.

ورثيت لحالها وجهلها وبلاهتها، وقررت أن أتحين فرصة لأدس لها ورقة صغيرة عن فعلة زوجها.

وشاهدني الأب الصارم ذو الوجه المجعد ففرح هو الآخر وقال:

-” سنحتفظ بهذا القط في بيتنا. ”

عل هذا النحو ترتبت الأمور، صرت عضوا في هذه العائلة ادخل البيت وقتما أشاء واخرج كلما طاب لي وهذا أقصى ما كنت أتمناه. في نفس الوقت كانت الغيرة تتملكني كلما رأيت أحلام رفقة خطيبها يتناجيان بالكلام العذب، وذات مرة رايتهما وحيدين يتهامسان كعادتهما وفي لحظة انسجام مد يده إليها ولكنها لم تعره انتباه، ثم تمادى فاحتضنها لكنها في هذه اللحظة انتفضت كغزالة وصاحت في وجهه:

-” ما تفعله عيب!. ”

رد بارتباك وهو يحاول اللحاق بها:

-” أي عيب ونحن مخطوبين. ”

فأجابت وهي هاربة منه تجاه غرفتها مغلقة الباب دونه:

-” تذكر أني ما زلت في بيت أبي. ”

خرج من البيت خائبا منكوء الرأس يجتر حسرة الفشل المرير، أما أنا فكان لي شأن آخر معها، إذ قربتني العشرة الطيبة إليها، كانت تغبطني كثيرا ولا تبخل علي بشيء، وفي المرات القليلة التي كنت أصادفها لوحدها في غرفتها كنت أتعمد الاقتراب منها ولكن بالرشاقة والحذر المطلوبين وكانت هي بدورها تستأنس بوجودي وفي ساعات وحدتها كانت تحملني في حضنها وتداعبني بخفة ومرح، تمس على ظهري برؤوس أناملها، تضمني إلى صدرها.

حدث ذات يوم أن داعبتني كثيرا، فتملكني الهياج وتصاعد دبيب الرغبة تحت جلدي، فرحت ادعك راسي الصغير في أغوار صدرها، ومررت ذنبي الناعم على اوعار جسدها اللدن عدة مرات وانتظرت قليلا ريثما تبين ردة فعلها، وجدتها طبيعية جدا إلا أنني لاحظت فيما بعد أنها كانت تختلي معي في الغرفة كثيرا وتبادر إلى مداعبتي وكانت تتعمد أن تلاقيني بملابسها الخفيفة الناعمة فتضمني إلى صدرها تلك الضمة التي تثير الكائن الغافي تحت جلدي. وفي المرات القليلة التي كنت أغيب عن البيت كنت أجدها تنتظرني على أحر من الجمر وسرعان ما تدخل الغرفة وتغلق خلفها الباب وترمي عنها تلك الأقمشة الثقيلة لتبدأ رحلة الضم والشد والأنين من جديد.

***

مرت تلك الأيام بشيء من البهجة، وبدأت أمي تطمئن لي وأنا اطمئن لها لقد كنت تواقا لعودة الحياة إلى سابق عهدها وشغل بالي في تلك الأيام خوفي الدائم على تلك العادات الإنسانية التي خفت عليها من التلاشي فالقراءة والكتابة كانت جزءا من حياتي ولذلك ما إن شعرت أن أمي استسلمت طائعة للقدر وتخلت عن أسلحتها في حربها الضروس ضد حيوانيتي حتى شرعت في التدريب على القراءة والكتابة. وعدت إلى عالم الكتاب الذي أحبه قرأت في تلك الأيام كثيرا ولكن كادت تلك التجربة الجميلة أن تنتهي بكشف أمري عندما دخلت واحدة من زبائن أمي اللواتي يخطن الملابس عندها، تركت الكتاب بسرعة وانتحيت جانبا.

كانت امرأة بلا عمر محدد، تغطي وجهها بخمار ابيض متسخ لا تبين منه إلا عينين صغيرتين تنبئان بسوء طوية، جلست طارحة عنها خمارها فبان لي فمها الممغوط إلى أقصى شدقيها والذي يتعذر إغلاقه على تلك الأسنان المتطاولة الناتئة كأنها أظلاف حملان، وفوق ذلك كانت ثرثارة لا يدخل لسانها فمها، منذ أن دخلت وحتى خروجها لم تتوقف عن الأسئلة:

-“أما من أخبار عن ابنك؟. ”

-لا

-“الم يره احد طول الفترة السابقة؟. ”

– لا

-“ربما قتله الإسرائيليون؟. ”

– لا ادري.

-“ربما في السجن؟. ”

-لا ادري.

واستمرت أسئلتها على هذا النحو، في أثناء ذلك كانت أمي تحبك لها الثوب وعندما أكملت خياطته قالت لها:

-” يمكنك أن تجربيه. ”

شلحت ثوبها وعيني معها تابعت بشغف انحسار ثوبها التدريجي عن ساقيها ثم عن ربلتيها المكورتين وأخيرا عن فخديها المليسين فإذا هي تلبسه فوق شلحة تشف عن جسد ابيض كبير وأثداء أتى عليها الدهر والشقاء فترهلت مثل أثداء بقرة طاعنة.

كانت امرأة بلا عمر محدد، تغطي وجهها بخمار ابيض متسخ لا تبين منه إلا عينين صغيرتين تنبئان بسوء طوية

وعندما أكملت عملها غادرت ملقية نظرة غريبة على الكتاب الذي ما زال مفتوحا. ولاحظت غضب أمي علي وهي تتوعدني بالهلاك وعندما ودعتها عادت إلي لتحاسبني على فعلتي المشينة.

في الصباح- على غير عادتها- طلبت مني أمي أن أغادر البيت، وهي كانت تحرص دائما على ضرورة التزام البيت خوفا من الوقوع في محظور قد يؤدي إلى كشف أمري. وغادرت البيت إلى السوق وكان الوقت ضحى والدوريات الراجلة تجوب الطريق وشعرت بالزهو قليلا لفكرة إنني لست مضطرا للخوف من الجنود، استوقفتني أغنية رائعة وأنا في الطريق أحببتها كثيرا:فاتت جنبنا أنا وهو وضحكت لنا أنا وهو. . .

ولكن الأغنية توقفت فجأة عندما اقبل احد الجنود من بعيد ونزل بهراوة على المسجل فحطمه اربأ، وبدأ يعبث ببضاعة الرجل وينعفها في وسط الشارع ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد فقد مر من بين الجنود فلاح يركب حمارا محملا بسلال العنب والتين استوقفه الجندي وأمره بالنـزول ففعل ثم أمره أن يدخل العصا في دبر الحمار ولكن الفلاح وقف عنيدا أمام هذا الطلب فغضب الجندي وبصق في وجه العجوز. ثم أمره أن يداعب عضو الحمار وخصيتيه ولكنه رفض أيضا هذا الطلب. ركبني رعب عظيم من هذا المشهد وهمست في داخلي :”حتى الحيوانات ليست في منجى من الاحتلال. ”

عدت أدراجي إلى البيت، شممت رائحة غريبة، استقبلتني أمي بهدوئها المعتاد، ظلت تحوم حولي بحيلها حتى قيدتني بحبل، في الحقيقة كان بمقدوري مقاومتها ولكنني لم افعل خشية إغضابها، استسلمت لرغبتها كارها طائعا سألتها:

-” أمي ماذا تفعلين؟!”

فأجابت:

-” إنني افعل ما هو خير لك سوف تعود إلى سابق عهدك. ”

عندها أيقنت أنني على وشك مهمة عسيرة فيها من الألم بحيث لن أتحمله إلا مقيدا بأصفاد. ثم حملتني بين يديها متشنجا ومددتني على الطاولة وضربت بكفيها :

-“تعال يا شيخ. ”

ورأيته يخرج من خبائه، رجل طاعن بلحية بيضاء طويلة تمتد إلى أعلى صدره معفرة بفتات طعام كريه اللون ومن رقبته تتدلى سبحة سوداء طويلة كأنها صف عناكب مربوطة إلى بعضها البعض، وأما عيناه فتقدحان نظرات مخيفة حد الرعب، اقترب مني وهو يهلوس بعبارات غامضة من صنع خياله ويهش يديه في كل الاتجاهات راعدا:

-” اخرج أيها الشيطان. . اخرج من جسد هذا العبد الفقير. ”

ثم مسكني بيديه من رأسي وبدأ يعص عليه وهبط إلى رقبتي وهو يعص بنفس القوة وشعرت أنني أنعصر بين يديه، حتى وصل إلى ذنبي وبدأ يسحبه صارخا:

-“فلتخرج أيها الشيطان. ”

ولم استطع تحمل الألم فصرخت، وفي لحظة عصية على الوصف بلغ بي الألم مبلغا، رعدت بصرخة مدوية ربما اهتزت لها جدران الحجرة وانتفضت من بين يديه وفررت فعقب ذنبي بين يديه والدم يشر مني.

خرجت إلى الشارع والدم يشر ورائي ووجهي يطفح بالغضب، على ناصية الشارع رأيت رجل الحاويات الفقير أثار منظره البائس جنوني فقفزت على صدره ولطمت وجهه بمخلبي حتى أدميته فراح يصرخ من الألم ثم انعطفت يمينا إلى شارع السوق، لاقتني في الطريق أحلام وخطيبها قفزت إلى وجهها وبحشته وكذلك فعلت مع خطيبها المتأنق، وانطلقت كالسهم نحو البيت الإمبراطوري، وهناك على ناصية درج الرخام كان الرجل ذو الوجه المجعد الصارم يتأهب للخروج قفزت إلى وجهه وأوغلت مخالبي في عينيه ولم انزل من على صدره إلا وعيناه مزروعتين على مخالبي. وفي الطريق هبشت كل من مر بي. وما هي إلا لحظات حتى بدأت جموع الناس المذهولة تتدافع خلفي في الشارع حتى انه لم يبق احد في المدينة إلا لحق بي كنت اجري بجنون فيما الفوضى تكتسح الشارع المزدحم كنت اقفز على عربات الباعة الجوالين وادمي وجوههم فيفرون تاركين عرباتهم تصطدم ببعضها وتنقلب في قلب الشارع، وأعاقت فوضى البرتقال الخبيص من تقدم الجمهور الذاهل، ورأيتهم يتساقطون كالدمى في وحل الموز.

وامتلأت الدروب بالمحبطين الذين يتراكضون خلفي دون أن يعلموا إلى أين يتجهون ولا خلف من يركضون، يتدافعون في اتجاهات غير محددة ويتصادمون كأنهم معصوبي العيون.

في هذه اللحظة كانت طلائعهم على وشك اللحاق بي وشعرت بالإنهاك يشل خطواتي، قطعت الشارع المزدحم بالسيارات بخطى متثاقلة فضربتني عجلات احد السيارات، جرجرت نفسي بصعوبة وابتعدت جانبا لكنني بدأت افقد صفاء ذهني وغامت الدنيا قليلا في عيني وأدركت أنني موشك على النهاية، كان كل سكان المدينة واقفين على الجانب الآخر للشارع فرحين مستبشرين بميتتي الشنيعة. ورأيت من خلال غبش النزع الأخير الإنسان الذي في داخلي يقف بينهم محايدا، يضع يديه في جيوبه بينما رأسه منكس نحو الأرض كأنه شجرة منكوءة.

فلتذهبوا إلى الجحيم، واتركوني مع حيوانيتي فإن لي سبعة أرواح أخرى سأعمر بها طويلا حتى الحق أحفادكم، وربما سأحدثهم عن أكداس شناعاتكم الخبيئة المغلفة بالفضيلة، وعن البطولات الزائفة المختبئة وراء الجبن الفاضح.

***

اظهر المزيد

رأي واحد على “المنبوذ – قصة لمشهور البطران”