الهجرة عن البلدة الصغيرة – قصة

عبدالواحد الأنصاري

ما الذي جعل ثلاثة رجال عاقلين يهجرون بلدتهم الصغيرة – معاً – في صباح يوم صحو، والبلدة تكاد تكون في حالة تلهّف شامل إلى حفلة كبيرة؟!

فعلى بعد ميلين اثنين كان ثمة تجمع صغير لقوّات عسكرية تتدرّب، جاؤوا من زمن، وبمجرد أن صلّوا الجمعة مع المسلمين صاروا بين حين وحين يجيئون ثلاثة ثلاثة أو اثنين اثنين، أو فرادى، لشراء لوازم كأطعمة تجعلهم غرابتها عليهم يشترونها، أو ملابس يجعلهم شوقهم إلى إناثهم البعيدات يشترونها ويحشرونها في صررهم، وكانوا عفيفين شرفاء بشهادة كل الناس.

بعد وصول نبأ نكسة 67 قال الجنود الذين جاؤوا إلى البلدة للناس إن هذا آخر بقاء لهم، وإن الضابط المسؤول نبههم إلى التعبئة ليغادروا غداً، ولذا كان من الغريب أن يهجر الشبّان الثلاثة البلدة التي تربّوا فيها وترعرعوا، غير آبهين بتفويت متعة مشاهدة رحيل العسكر، وهو ما لم تفوّته أي امرأة عجوز بلا قدرة، ولم يتأخر عنه إلا من كان بلا قدمين، وليس هؤلاء بمتعددين في البلدة الصغيرة حتماً!

صفة الوقار تستدعي أن نتخيل الشيخ بلحية طويلة كثيفة، لكنها ناعمة ومتفاصلة الخصل، كلحية الحارث بن عُباد أو دُريد بن الصّمّة

لقد رأيت أن أجعل هذا العرض ذيلا لعنوان هو: الهاربون من مسؤولية الشرف. ولكن العنوان جاء باهتاً بسبب لفظة: “مسؤولية”، ولكن لنتجاوز هذه الإشكالية ولننصرف إلى اختيار الزمن، ويناسبني أن يكون زمناً بعيداً في عمرنا، قريباً قريباً في آلامنا؛ لأنه كان قبل نكسة عام سبعة وستين بأيام، وحدثت النكسة، وهجر الرجال الثلاثة بلدتهم، وتفرق الجند.

إذا كان في هذه المقدمة شيء غير سهل الفهم فلا سهل إلا ما جعله الله سهلاً، ولأنّ هذه الحكاية حكاها الأب الوقور بهذه الصيغة تحديداً، في هذا اليوم الذي نحن فيه الذي نقرأ فيه قصتنا من عام 2003، حكاه لابنه الذي لا يشبهه في شيء.

صفة الوقار تستدعي أن نتخيل الشيخ بلحية طويلة كثيفة، لكنها ناعمة ومتفاصلة الخصل، كلحية الحارث بن عُباد أو دُريد بن الصّمّة أو أيّ كان، العجوز نحيل وفمه ينضح لعاباً طفيفاً له رائحة عتيقة، وثنايا تتخللها لثات غامقة الحمرة، وعيناه مشفقتان خائفتان لكنهما متماسكتان؛ لأنه يحافظ على كرامته، ولا يسمح لنفسه أن يقول لابنه:

– ابق معنا لأننا سنجوع إذا غادرت، مضبوط؟!

وعوضاً عن ذلك يختار طريقة قديمة، لكنها ناجعة: وهي أن يتظاهر بالحكمة، ويحكي حكاية خيبة من غادروا أوطانهم في فورة أوهام الشباب. والابن متين سمين، عيناه كسولان تجاه ما يقوله أبوه؛ لأنه غير مستعدّ للاقتناع، وليستا كسولين لأنه غير مصمم على السفر وترك عائلته للريح، الشبه الوحيد الذي تلتقطه العين بينهما -مع كون الابن حليق اللحية كثّ الشارب متيناً- هو الأُذن: فالأذن طويلة قاسية كأذن العجوز.

غاية الأب من القصة – كما قلنا لكن نعيد للتكرار – هي منع ابنه من الهجرة عن البلدة الصغيرة كما هجرها أولئك الثلاثة الذين فروا؛ ليغطوا على منتهك شرف إحدى الأسر الكريمة، ولتضيع المسؤولية بينهم فلا يتم اصطياد أحدهم، وعلى هذا الأساس، رحلوا في الوقت نفسه، ولكنهم ما إن جاوزوا البلد حتى تفرقوا وتفرقت مصائرهم وعاشوا بلا شرف بالتأكيد كما يقول الأب.

أتوخى الحذر من أي تعبير قد يؤدي إلى تفسير غير وارد على أنه رمز محتمل، وأغتاظ جداً ممن يتخلون عن إمكانات القصة كحكاية قائمة بذاتها، بهدف تعريض بنْيَتها للاحتمالات! وحرصاً مني على كسر هذا الاعتقاد أكشف أن التفرّق الذي حصل للجند ليس بسبب فجيعة النكسة، والرجال الثلاثة لم يهجروا بلدتهم لأن النكسة أفقدتهم عقولهم وهاموا على وجوههم مجانين إلى ما يشاء الله.

وأنا أسمح لنفسي فأقاطع حكاية الجدّ قبل أن تبدأ – لاحظوا أنه أصبح جدّاً الآن، وتغاضوا عن ذلك؛ فقد يكون له أحفاد يقرؤون هذه القصة-؛ لأني أفرش البساط لحكايته، بإبداء الخفايا التي لا يعلمها هو، بل إنه عاش حتى الآن وهو لا يعلمها، وقد يموت قبل أن يعلمها: فالرجل الأول عبر جنوباً من الأردنّ إلى حدود السعوديّة، إلى هنا، حيث نحكي الحكاية، لا يدري أين يستقرّ حتى أوصلته قدمه إلى الحرم، واكتشف أن العيش واكتساب الرزق ما زال ممكناً بقراءة القرآن وتدريسه، فالتزم الحرم وجاور حتى مات على مشارف حرب الخليج الثانية (حرب العراق)، ولا نستطرد هنا في حكايته، بل نلتفت لنتذكر أن الجدّ في باكورة هذه الحرب استعاد مشاعر جيل حرب رمضان، أو حرب كسر التفوق العسكري لإسرائيل، وبتوافر التلفاز الذي لم يكن متوافراً زمن النكسة صار ينظر إلى صورة الجلبي وبعض المعارضين قائلاً:

– الحمير معلّفين مضبوط!

ولكن ما إن انتهت الحرب باستسلام بغداد حتى أصبح الصباح وابنه يريد ترك هذه البلدة التي تأتيها المآزم العامة بمآزم خاصة بها وحدها: بتخلي أبنائها عن تربتها. والأشد إيلاماً هو أنهم يخرجون لأسباب غير أسباب الهزيمة، ويتخلّون تحت مظلة هذه النكسات عن وطنيتهم وهم أبرد قلوباً من كل المهزومين، بل ربما لم يفقدوا دمعة واحدة لأجل أي معركة انتصر فيها المستعمرون على أبناء جلدهم. وتحت تأثير هذا الإدراك المفزع صار يقول:

– المصيبة تعم، والطبخة مطبوخة لنفقد أبناءنا ولو لم يموتوا في الحرب، أمريكا الملعونة طبختها هذه المرة مضبوط!

لا حاجة للقول إن البلدة تطورت تطوراً خارجياً -لا غير- في فترة البضع والثلاثين سنة التي طافت العالم من النكسة إلى احتلال العراق، وعادت إلى جسد العجوز (الأب/ الجد) وهو يحاول إقناع ابنه الوحيد بالبقاء ليرعاه هو وزوجته قبل أن يترمل أحدهما!

تطورت البلدة تطورا خارجيا لا لون له: بيوت الصفيح ليست كما كانت، بل هي بيوت طوب بعضها مليّص بالأبيض، المزارع ليست كما كانت بل يوجد مولد ومولّدان لا تعجز العين عن رؤيتهما هنا وهناك، الفوانيس لا تضاء إلا إذا انقطع الكهرب، كما هي الحال في هذه الليلة، وهما يجلسان في ضوء الفانوس، وظلال حركتهما تتعملق وتتضاءل، لكن الجدران منذ ذلك العهد البعيد ما زالت قصيرة بلا عوازل عن الحرارة، ولا تقي بظلها شيئاً من وقدة القيظ، قيظ يونيو عام ألفين وثلاثة في هذه البلدة كقيظ سبعة وستين.

-يا بني لا تكن كالذين هجروا بلدهم بادعاء البحث عن لقمة عيش لتطوير البلد، أولئك لم يكونوا وطنيين، ولكنهم هجروا بلدهم لأجل الرغد، مضبوط؟

كان هذا مبلغ علمه، وإلى هذا الحد انتهى شرحه، ويجب علينا ألاّ نستهين بهذا الاستنتاج عندما يصدر عن عجوز لم يغادر بلدته إلا عبر الراديو والتلفاز، عجوز معذور، ولكن بتأثير علم الحساب ندرك أن محاولته الإقناع كانت ستبدو أمتن وأقوى لو كان يعرف مصائر الثلاثة المهاجرين، والراوي هو المسؤول عن تغطية هذا اللبس، وعليه أن يدرك هذه الأحداث ويطلعنا عليها؛ لأنّ حواسّنا جميعاً لا تنال أبعد من حدود قريتنا أو بلدتنا أو مدينتنا. والراوي يعرف أنّ الشاب الثاني منهم عبر إلى سوريّة وتشطّر وتلطّف حتى خلع ثوبه وعمامته، ووقف بشفاعة رجل وجيه على باب جريدة في سوريّة، وما هي إلا سنوات حتى تورّط في مشاكل حزب البعث بحماة وساهم في قتل أبناء وطنه الجديد. وهكذا فقد طعم حياته وعاش أمام ذكرى إثمه، بدلاً من أن يبقى حتى تتم تبرئته وينكشف من هو منتهك الشرف من شباب البلدة، وكان حينئذ خليقاً بأن يبقى ذكره وعرض أسرته بلا علامات استفهام يمكن التعريض بها في أي مشاجرة مع من يساوي ومن لا يساوي، وهو ثمن لا يستهان به في تلك الأرجاء، ولو استدعى أن يخاطر بحياته من أجل تحصيله، هذا غير أن جرائمه الدموية إذا وصلت أنباؤها إلى البلدة مستقبلاً فسيكون من السهل ربطها بتهمته القديمة، ولو كان بريئاً منها!

والراوي يعلم أن الثالث من الشبّان الهاربين وصل، بطريقة ما، إلى لبنان، وعبر إلى أمريكا، وسكن في زقاق بولاية لوس أنجلوس، ومات في معركة انتقاميّة ليست معركته: قتله الزنوج انتقاماً من أفعال البيض، ظناً منهم أنه أبيض، وبقي في الثلاجة أياماً لم يتسلّمه بعدها أحد، فتخلصوا من بدنه، بطريقة ما أيضاً، وفي هوليود فتاة تتدرب حاليّاً على التمثيل، تربّتْ في مدارس خاصة، وأمّها تحكي لها أوصاف أبيها العربي الذي قذف في رحمها بمائه عندما كانت في لوس أنجلوس لسبب، ما أيضاً، من الأسباب، وهذا ما يجعل راوي القصة يشكّ، بلا يقين أنها ابنة الزنا من هذا الفارّ من بلدته، المشارك في التغطية على مرتكب ذلك الفعل المشين في مسقط رأسه.

ولكن، من أين للعجوز أن يحيط بكل هذا العلم وهو لا يملك عين الراوي التي لا تشبه في استقصائها إلا الأقمار الصناعية، وعين الراوي كعادتها مستعدة للانتقال من أي مكان إلى أي مكان في العالم، مهما بدت المعلومة المطلوبة تافهة إزاء الجهد المبذول، والحقيقة المحضة هي أنه لا يوجد أي جهد مبذول غير إعمال الذهن، ويمكن أن يُفسر هذا القول على أن الراوي يقصد به ما هو أكثر من قول عارض فحسب، وأقول: قد يكون هذا، ولكن ماذا عما يعرفه العجوز من قصة رحيل الرجال الثلاثة، الرحيل الذي ما زال يخجل عوائلهم حتى اليوم؟

العجوز يعرف شيئاً، وغابت عنه أشياء، والحقيقة المكتملة هي: أنّ أحد العسكر كان يتسلل إلى بيت من البيوت، من طريقة فتحةٍ صنعَتْها ابنة البيت في الصفيح، بحيث تستطيع إعادتها إلى وضعها دون أن يلاحِظ والدُها، وكشفتْ أمها أنها تقابل هذا الجندي كل ليلة وتتحدث معه – لاحظوا معي أنها تتحدث فقط -؛ ولهذا السبب تجاهلت الأم كبعض الأمهات، ولأنّ الأمر كان يجري قريباً، والحديث كان مسموعاً، ولا يندرج في دوائر المحظور؛ لذلك سكتت الأم على مضض؛ ولتكون على اطلاع بما يجري؛ فأن يحدث شيء معيب في العلَن أحسن من أن تحدث يجلب العار في الخفاء، وظلت الأمّ محتفظة بزمام المبادرة وتحكّمِها في عنصر المفاجأة.

لم يعد له وجه يقابل به أهلها الشرفاء، بعدما أهانهم أحد رجاله، بل بعد أن كاد يموت أحدهم بسبب حماقات جنده التي لا يضمن عدم تكرارها؛ فما دامت الدنيا دنيا ذكور وإناث فالجنود هم سمومها.

نحن لا نتعرض الآن للحكم على أيّ من هذه المعطيات بل نكشفها، هذا ما يهمنا؛ ولذا سنتطرق بعد هذا العرض بسرعة إلى أن الجندي، في الليلة التالية لتأكّد خبر النكسة مائة بالمائة، في هذه الليلة حرَقَه قلبُه وغلبَه عشقُه؛ فجاء متخفياً وهو غير متأكد أكان أبو البنت موجوداً أم لا، وتسلل عبر الزريبة بين الغنم، ومرّ من جوار شباك الدجاج الطامن، وشعرت به الحيوانات فأحدثت جلَبة، وخرج الأب في ظلمة الليل في وجهه صائحاً: من هذا؟! فلم يجد الجندي إلا أن يضربه في رأسه ضربة دامغة.

سقط الرجل وشمّ الروث لأول مرة في عمره من هذا القرب، واستنشقت خياشيمه غبار الأرض قبل أن يغمى عليه، وولى الجندي المرعوب هارباً، وخرجت الأم مولولة مفزوعة، وعندما أصبح الصباح بالخير وسلامة الأب والعِرض، من منظور الأم طبعاً، عندها كتمتْ سر الجنديّ، واستغلت زمام المبادرة؛ فكشفت للبنت إدراكها الموضوع، وطمأنَتها على مصيرها؛ بشرط أن تكون هذه تجربتها الأولى والأخيرة في هذا المجال الملغوم، وبالفعل: وافقت البنت، وانتهى دورها ودور أمها في سردنا.

كان أبو البنت يشتبه في واحد من شبّان ثلاثة كانوا يضايقون البلدة بكونهم يسهرون الليل، يتجولون على أعتاب البيوت بادية أصواتهم، يسهرون مع الجند، يقامرونهم ويعودون تبَعاً لوضعهم البرجوازي في البلدة ليناموا حتى الضحى. هدّدهم الأب وهدّد ذويهم. وتعرض الشبّان الثلاثة لتهمة شرف مخزيَة، وشكّ بعضهم في بعض؛ لأنهم تفرقوا كعادتهم في آخر الليل، ولا يعلم أحد منهم أين كان الآخران في الوقت الذي لم يكن معهما فيه. ومع تجاوز الظرف لمستواه العادي دخلت فيه حسابات وعواقب، لكنهم كانوا مطمئنين إلى أنّهم لا يحتملون العيش والأصابع تشير إليهم، أو لا تشير، ولكن العيون تتكلم، وبطريقة، ما، ربما كانت غير مفهومة لهم حتى هم، ثلاثتهم، على ترك القرية؛ وكان هذا مرضِيا جدّا لوالد البنت المُهَان، ومفخرة أبديّة له.

أما في الجهة الأخرى –أعني جهة العسكر-؛ فقد جاء الجندي إلى ضابطه، وأخبره بالحاصل وهو لا يدري أكان أبو البنت حياً الآن أم لا، وبعد التأكد من سلامة الأب أدى تصور الضابط للقضية إلى توريطه في الشعور بشيء من المسؤولية؛ فعاقب الجندي بالسوط أمام نظرائه، وأمر العسكر بالتهيّؤ لترك هذه البلدة الطيبة؛ لأنه لم يعد له وجه يقابل به أهلها الشرفاء، بعدما أهانهم أحد رجاله، بل بعد أن كاد يموت أحدهم بسبب حماقات جنده التي لا يضمن عدم تكرارها؛ فما دامت الدنيا دنيا ذكور وإناث فالجنود هم سمومها.

الجدّ العجوز حكى القصة بطريقته وبمعلوماته التي لا تتضمن معرفة الفاعل، ولا أي توقع لدور الجنود الخارجيين، ولكن روايته تستبعد أنّ ثلاثة الرجال تورطوا في الفعلة كلهم؛ لأن تاريخ البلدة لم يشهد أن اثنين من أبنائها تآمرا على شرَف، بل كان مرتكبو هذه الأفعال عشّاقاً فرادى، يتخفون ويخرجون على التقاليد وهم في حالات يأس مكبوتة. ولا أظنّكمْ التَقَمْتُم الطُّعم؛ فهذا التصوّر لا ينبني على قرينة ما، بل على غياب أي سابقة تجعله واقعاً. وهذا التصور في الوقت نفسه لا يستبعد أن واحداً من الثلاثة على الأقل ارتكب تدنيس أرض الجار وشرفه؛ وبناءً عليه فالجدّ يعتقد بأن اثنين منهم على الأقل كانا جبانَيْن، وتواطآ مع الصداقة بالستر على صاحبهما، على حساب شرف البلدة.

لقد انشغلنا بالسرد عن الوصف، ولم نذكر أنّ الابن المتين مع أنه لا يشبه أباه إلا في أذنه، فإنه كان يختلف معه في صفة مميّزة؛ فأذنه كثيفة الشعر، وهو لفظ مجازي -إذا سمحتم لي باستخدامه – يعنى أنّه لا يترك كلّ ما يحكى له يمرّ عبثاً من أذنه إلى قلبه بلا تدقيق؛ فقصة الشرَف وافتراض أن بقاء الشباب كان لا بد منه لأجل الحفاظ على سمعتهم وسمعة أسرهم، هذه الحبكة لم تنجح في العبور إلى إيمان الابن، بل جعلته يتصوّر أن العجوز يعاني فقدان القدرة على استخدام المخزون التاريخي الشخصي للاستعمال في الوقت المناسب، وهذا يعرّض العجوز المسكين لأن يظن من يسمعه أنه لم يستفد من سنين عمره كثيراً، بمعنى أشد قسوة: أنّ عمر عقله أقصر من عمر بدنه.

فقد الابن صبره قائلاً: ولكن يا أبي، لماذا نصرّ على أن الشرف قضيتنا التي نموت من أجلها حتى بين الغرفة والحمام؟

فأجابه الجد: الحقيقة يا ولدي أنه لا شرف لنا بين الأمم، رغم أننا نفني أنفسنا بداعي الشرف، ونعمر قبورنا بدلاً من بيوتنا بداعي الشرف، مضبوط؟

أما في الجهة الأخرى –أعني جهة العسكر-؛ فقد جاء الجندي إلى ضابطه، وأخبره بالحاصل وهو لا يدري أكان أبو البنت حياً الآن أم لا، وبعد التأكد من سلامة الأب أدى تصور الضابط للقضية إلى توريطه في الشعور بشيء من المسؤولية؛ فعاقب الجندي بالسوط أمام نظرائه، وأمر العسكر بالتهيّؤ لترك هذه البلدة الطيبة

ابتسم الابن قائلاً لنفسه إن أباه سياسي في كل شيء، ولكن الحقيقة أن أباه تخلص بهذه الكلمة من إخفاق حكايته، لأنه هو نفسه أحسّ في مرحلة من مراحل كلامه بأن قصة أبناء البلدة العاقّين لها ليست صالحة للاستمرار في سردها، ولكنّه كان يعوّل على صورته ونبرات صوته، ويعقد الأمل على حضور أبوّته الجريحة في انتفاضة أخيرة.

نسيت أيضا فلم أتذكّر أن أقول إنّ البطلين كانا وحيدين في الغرفة، وإن الليل مضى عليهما وهما يتناقشان حتى أعياهما السهر، وعندها، ولأول مرة بعد تمييز الابن للأشياء، نام مع أبيه جنباً إلى جنب، وهما يستأنفان الحديث ويهدآن بفعل النعاس ثم يستأنفانه؛ أما الأم العجوز فنامت في مخدعها وحيدة. لقد سهرت معهما قليلاً في البداية، وعندما فقدت القدرة على الصبر قالت إنه كان عليها أن تدرك من البداية أنّ الأمر أكبر من أن يفيد وجودها سوى مضاعفة الهم على قلبها، على هذا الأساس باتت في مخدعها، لا ندري إن كانت نامت أو بقيت تنتظر على مضض ما سيتوصلان إليه؛ فهذا ليس من الأهمية بمكان، وليس من أكليشيهاتنا الضرورية لنروي القصة، وبهذا فإن الأم تغادر قصتنا من هذه اللحظة.

في النهاية قال الابن مصارحاً أباه:

-أنت نفسك يا أبي كنت تعتقد بتميّزي، وبأني لن أجلب عليك العار لأي سبب، فكيف يكون سفري لمعرفة الدنيا وتحسين وضع أسرتي سبباً لتعريضي وتعريضكم للخزي؟!

لم يستطع الأب أن يقول له: أنا كنت أقول هذا لأبث السرور في قلبك الصغير، وإلا فليس هنالك أحد يضمن أن مستقبله سيكون خالياً من العار، مهما بلغ إيمانه. ولكنه قال له: فعلا كنت ذكياً، وكنت في بعض الأحيان ترى ما لا نراه، مضبوط؟

واستمر يحكي وهو يبتسم:

-أنت طبعاً لا تتذكر، ولكنني أذكر عندما قلتَ ونحن في المجلس: إن جارنا سالم ضرّاط، ولم نفهم ما تقوله إلا عندما تطور المرض في فمه وازدادت رائحة البخر، وصارت له رائحة كرائحة الفساء، مضبوط؟

ضحك الابن جذلا وهو يستحلف أباه: بالله عليك أمانة، أنا قلت هذا؟!

أجابه أبوه بالإيجاب واستطرد:

– وعندما قلتَ إنّ عمر جارتنا فلانة أربعون عاماً ضحكنا منك لأنها كانت ابنة ثلاثين، ولكنها ماتت بعد عشر سنين وهي في الأربعين؛ فتذكرنا مقولتك واعتبرناها مما تطرحه العناية من المقولات على ألسن الصبية، ولا نفهمه إلا بعد فوات أوان فهمها، لقد كنتَ بريئاً من صغرك إلى الآن، ولكن لا يعني هذا أنني سأرضى لك أن تضيع مني، مضبوط؟

ابتسم الابن بدوره كالحالم رغم أنه لا يتذكر ورغم أنه توقّع أن أباه نصب له مصيدة من حنان ليقع فيها، وفرش لأبيه وسادته، ونام الأب، ونام الابن على ذراعه كأيام طفولته، وبكَيا قليلاً قبل أن يستغرقا في النوم، ثم أخذتهما سنة نوم عميقة. وفي الصباح صوتت السيارة بنبرتين عاليتين، فتعانقا باكيين أيضاً، وقبّل الولد رأس والدته وغادر البلدة، وقد نكون الآن في اليوم الذي يقول الناس فيه: لقد مات العجوزان قبل أن يعود.

اظهر المزيد