الأسطح والسراديب – قصص طويلة

 

 

مقطع من الرواية

 

وقد سبقنا عياش إلى ثمار الطفرة التي طبقت وجه الوطن قبل خمسة وعشرين عاما وقطَفَ ثمارها، وعرفنا فيه مثالا للجيل السابق من الشباب الذي تحصّن من الوقوع في الميوعة، هذا إذا لم نغفل أنه لمْ يكن يملكُ جسدا ضخما ولا صوتا خشنا حتى نستوحيَ منه صلابة غير لصيقة بحقيقته، بل كان قصيرا في غير ضعف، في صوته غنّة ونبرة حدّة، لأنه يخرج من أعلى الحلق ويمر الكثير منه عبر أنفه،فيخرج في نغمة طفولية، وكان أقرانه في  الحارة يعايرونه قديما بمناداته:

  • الثور أبو صوت البسّ.

وكان وحيد أبويه وأسرته ميسورة الحال،يحتلّ بيتهم مساحة أربعمئة

متر شطر الشرق، مطلاّ على الوادي، ومساحة مزرعة أبيه ثمانمئة متر، وهي ذات زاوية مثلثة مشتولة ومظاهِرة لمزرعة بجوارها وكأنها تنام في حضنها،وهي مزرعة أكبر حجما ويملكها أحد الأمراء.

في أبرد وقت من اليوم والليلة وقبل صلاة الفجر بساعة،في ذلك الوقت المشبع بالسكون والتجلي،حين تهدأ مولدات الديزل الكهربائية الليلية في المزارع القريبة والبعيدة على السّواء،في انتظار نور الفجر،يمر عياش من هنالك وكأنه يعبر واديا

لم يوقع به ذلك الإيسار في فخ التدليل،ولم يندرج به في مصافّ المتباهين، ولا عافنا أو شعرنا بامتعاضه من سهراتنا المتواضعة في السطوح،إلى درجة أنا ما عرفنا –كما كان يجب أن نعرف حقا- أنه ينتمي إلى أسرة كبيرة حتى حان موعد زفافه بهيلة، وكان الناس ما يزالون بخير، والمال يجري في الأيادي، لكنه اكتفى بتعليق اللمبات الصفراء على طول الشارع المؤدي للوادي، وسدّ بسيارات أقاربه الفخمة الممرّ الشمالي، وفرشت الأرض بالبساط الأحمر العادي، وكان عشاء بسيطا وجميلا ذا صبغة شعبية محببة.

عرف الطريق إلى المسجد باستمرار،بعد فاجعة وفاة أبيه وخلو البيت إلا من أمه وزوجته وأطفاله، ثمّ انقطع عن مسجدنا ولزم الذهاب لمسجد الشيخ الكبير مشيًا، المسجد الذي درسنا فيه أجزاء القرآن في سنيّ طفولتنا، وهو نفس المسجد الذي صرت أرتاده فيما بعد تجنّبا للصلاة بمقربة حمود، وقال لي إنه ترك مسجدنا لأنه أحسّ شفقة وتعاطفا يكرههما من جيرانه،ولم أنس عبارته التي تطنّ في رأسي دائما:

  • أنا شديد الاعتزاز بيتمي، وكلهم أيتام وإن طال الزمن على فقد آبائهم وأجدادهم.

لم نشكّ يومها أنه عاد ولو قليلا إلى رحاب الله،فخفنا أن يتركنا إلى الأبد، وصرنا نتجنّب الاحتكاك المباشر به، وإذا سهرنا على سطوح أبو عيضة فإننا نترقب أوقات خروجه آخر الليل إلى المزرعة.

يمرّ جنوبا،على قدميه، بين حطام وأنقاض البناء الذي تراكم منذ بدأت الحارة في التشييد،يعبر بيوتات صغيرة من صناديق الزنك، بناها السّكان للعمال الذين لم تتسع البيوت لاحتوائهمْ، وكانت البلدية متغاضية عن هذه المخالفة الاضطراريّة منذ أن نُصبت وإلى ذلك الحين وحتى هجوم السيل الكبير الذي هدم الجسر القائم على الوادي وقسّم الصناديق الزنكيّة إلى ما يشبه ملاءات طافية لتجعل الماء الكدِر تحتها يظهر أشدّ سواداً، وغرقت مواشي المواطنين ومتنزّه الدبّابات في طرف الوادي البعيد، وما إن يبست الأرض وأسفر الحادث عما أسفر، حتى جاءت جرّافات البلدية، وسوّت بالأرض صنادق العمال.

في أبرد وقت من اليوم والليلة وقبل صلاة الفجر بساعة،في ذلك الوقت المشبع بالسكون والتجلي،حين تهدأ مولدات الديزل الكهربائية الليلية في المزارع القريبة والبعيدة على السّواء،في انتظار نور الفجر،يمر عياش من هنالك وكأنه يعبر واديا، لكنه ليس واديا بالمعنى الحقيقي، بل هو جزء من امتداد الوادي الذي تشغله الحارة، ويختلف عن الشارع الزفتيّ لأنه غير مردوم،هذا الوادي الشاهد بأن عيّاش كان  الشخص الوحيد الذي شقّ وحدته في باستمرار دؤوب كل ليلة من لياليه تلك، وقطع فيه هذه المسافة كلها يمشي ما يقارب ثلاثة كيلوات على رصيف الشارع القاطع بين حارتنا والملاعب،يتجه غربا على طول الرصيف، وعن يمينه ويساره ترتفع أشجار النخيل الممتدة من منخفضات المشاتل على الجانبين، بقامات سامقة توازي قامات النخل القصير المغروس على الرصيف،كأشباح نساء ثكالى كابياتٍ على ركبهنّ وقد نفشْنَ رؤوسهن في رهبة الظلمة.

ثم يهبط إلى مزرعته في طريق ترابي أرضيته مؤلّفة من غبار الإطارات وروث ماشية المزارع ومن هشيم الشعير والبرسيم والتبن، والكثير من نثار الحشف ونوى التمر؛ وعلى مدى الأيام وعبور الناس تخلّقت في ذلك المعبر روائح وتضاريس ذات طابع خاص بها؛ فإذا هبّت الريح من خلف المزارع حملت عبق الزروع ومعه مزج حادّ مزكم من روائح الزرائب التي لا تلقى العناية الكافية، ومن هنا يظنّ من لا خبرة له بالمكان أن هذه هي رائحة الممرّ الدائمة، ولكن ما إنْ تأتي هبّة قوية من تلقاء الجنوب الشرقي حتى تحمل معها غبار الملاعب الترابية الممهدة في الأراضي البور خاليا من أيّ عالق حيواني أو نباتيّ.

وكان عيضة وحمود وقتها أحلى من السمن على العسل، يترقّبان وقت خروج عياش من البيت، فيكفّان عن التحديق بأوراق البلوت ويتشاركان في التندّر به:

  • “إنه يؤدي عبادة قيام الليل، ولكن مشيا على الأقدام”.
  • ههههههههههههه.
  • وما يدريك أنه لا ينوي زيارة زوجة خير الله؟
  • ههههههههههههه.
  • “نعم هذا أمر وارد،وليست غريبة على نذل مثله.
  • ههههههههههههه.

ولكنه لم يلبث أن عاد إلى جلسات الليل بشراسة وهوس أكثر، حتى بعد أن كففنا عن دخول الدار بسبب استياء والد عيضة.

كان ينتظر نوم زوجته وأطفاله، ويتسلق السطوح من بيته إلى بيتنا إلى سطوح المسجد، وينعطف مع زاوية المباني إلى سطوح المؤذن القديم، وبعدها إلى سطوح عيضة،وهناك نسهر على البلوت في غرفة عيضة حتى قبيل الفجر بقليل، حين يرفع المؤذن اليمني صوته بالأذان الأول،أو قبل ذلك بقليل،مع بدء محلات الوجبات السريعة في الإقفال، وكان مشوارا طويلا يربو على مشواري بمرحلة، لأني أعبر فقط من بيتنا إلى المسجد ثم بيت المؤذن ثم إلى سطح السهرة،بغضّ النظر عن أن هذا التسلّق يليق بي أكثر مما يليق برجل متزوّج وله وقاره مثل عياش، أما حمود فسطوحهم مجاورة لسطوح عيضة مباشرة من الناحية الأخرى، فلم يلزمه في كلّ الليالي إلا تجاوز الحائط القصير.

وبعد توبة حمود وخروجه من السجن تسلّم منصب المؤذّن،وصعد إلى سطح المسجد، وكان المسجد قد رمّم في تلك السنين، فوجد آثارًا لعبور أقدام عياش على السطوح، وهو الدليل أنه لم ينتظر على الأقل حتى يجفّ السقف الجديد ليستمرّ في عبوره،وما يخيف أكثر هو دلالته القاطعة على أنه رغم انقطاع الحياة الليليّة في سطوح أبي عيضة منذ ذلك العهد، فهو يجول مستنيما لنداء ذكريات الأمس،أو –على الأسوأ- محافظاً على عادة التجوّل الليليّ لأسباب أشد خطراً،كما كان يهيم في الأسحار في الوادي وهو يسري إلى مزرعته.حمود الذي ثار رعبه لوقع هذا الاكتشاف قطع الشكّ وأراح نفسه من همّها المسيطر،  فأوصى جماعة المسجد بمد حيطان الأسطح بالزنك أكثر مما كانت ممتدّة في الأصل،دفعا لاحتمالات الشر، مشدّداً على أنّ هذه العادة يفترض بها أن تنقطع إلى الأبد بعد أن ضاقت السبل بعيضة وهجر بيتهم، وحدّثني حمود فيما بعد عن وجهة نظره قائلا:

-كنت أمام خيارين لا ثالث لهما،إما أن أرفع حائط السطح أو أتنازل عنه للهائمين في الظلمات.

اظهر المزيد