رواية السطر المطلق

 

 

مقطع من الرواية

إنني الآن أجيد الخطو حتى إنني أعجب: كيف كنت أضلّ الطريق في الأحياء القديمة التي احتضنت ذلك الحب؟ وأستغرب: لماذا يتحتم عليّ أن أفكّر الآن في تلك الفتاة الغريبة؟ ولماذا يغزوني هذا الشوق إليها؟ ألست أولى بالاشتياق إلى زوجتي وأطفالي عوضاً عن تلك الهاربة التي لم أتمكن ولو من معرفة اسمها؟ لأتوقف عن هذا الشطط، فلست في وضع يهيئ أي أحد لرؤيتي، فضلا عن أنها لو رأتني الآن لظنّتني عقوبة جاءت من الماضي لتنتقم منها. إنني أسير في طريقي غير متعرّج ولا متردد، وقد أفقت من ضياعاتي القديمة في هذه الطرق، غير أنني لا أزال لا أجد تفسيراً لذلك التيه المتكرر في هذه الشوارع إلا أنه كان ينتابني من لوعة الحب، والتعلّق بالحياة، وهما الأمران اللذان ما إن تحررت منهما حتى استعادت حواسي قواها واستقام خط تفكيري، وخلوت من الخوف والطمع والحقد أيضاً. ويا لغباوتي حين كنت أتيه في هذه الأحياء التي قضيت عمري كله أجوبها وأحرثها بقدمي وأخوض غمارها بسيارتي وأخترق أزقّتها كالشيطان مطارداً لغرامي. لكنني، بعد أن انقطع بحثي الفاشل صرت أضيع فيها كلما عدت إليها، وكان آخر مشاويري الفاشلة مدوياً. كنت آنذاك في الثامنة والعشرين على ما أذكر، عندما وجدتني في منتصف الليل أخترق شارعاً جديداً لم تره عيناي قط. كان عهدي بالمكان أنه يحوي شارعين لا ثالث لهما: الأول شرقي غربي، والآخر شمالي جنوبيّ، لكنني لا أعرف هذا الشارع الدخيل، وكلما أردت الخروج منه وجدته مغلقاً، حتى خيل إليّ أنه مغلق من الجهتين، وهو الأمر المحال، وبعد ست دورات اكتشفت أن المسرب إلى الشوارع الأخرى تسده سيارة تقف عليه عرضاً. أوقفت سيارتي واسلقيت أسأل الله غفوة مريحة، ولم ينفتح الطريق حتى بدأت الشمس تضربُ خلفية السيارة. لقد كنت أعرف الرياض، ولكن هذه الأحياء الداخلية تغيظ أحياناً، فبعضها يبدو مستغلقاً، لا ينطبع بطابع الشوارع النظامية، فطرقه لا تمتد من الشرق للغرب، ولا من الشمال للجنوب، ولا تهتم جغرافيته بطابع القِبلة، وأقول هذا لأني لحظت العناية بجهة القبلة في تنسيق ععمائر العاصمة، ولحظت الناس يتجهون إلى حيث استواء الجدار، بيد أن هذه الحارات التي ضعت في إحداها ذات مداخل لا تأخذ في اهتمامها أن تقوم على قواعد البناء، القبلي والشرقي والشمالي والجنوبيّ.

انعطفت في ذلك الصباح البعيد في شارع هو الآخر مجهول، وكأن عيني تراه أول مرة، وأخذ يلتف بي من الغرب إلى الجنوب، وصارت الشمس تصفع جانب السيارة وتلهب وجهي في الخامسة والنصف صباحاً وكأنها نايلون يستريح على الوجنة ويحكّ كل شيء، لكن الهدى انصب عليّ كالماء القراح عندما ولجت حيّ ثليم، وبدأت تتضح المعالم، إنه حيّ المرقب. قلت: إذا كان ظني صادقاً فما زالت المجنونة مجنونة. لقد خرجت إليّ من الظلام، عندما كنت آخذ الركّاب بدافع الإفلاس، لكي أسكت ظمأ المازدا بخمسة ريالات، وأخضّها خضّاً في هذا الشارع، ويوماً بعد يوم صرت آتي فجراً، وأجدها منتظرة، أوصلها إلى الثانوية وهي صامتة، أمرّ بها من جانب هذه المحكمة، نجاوز ميدان دخنة، ومساكن الحمام القسريّة القريبة من سوق أشيقر، نستدير من أمام عمال البناء العاطلين الذين يشيرون بمساحيهم منذ الفجر إلى أن تطردهم الشمس، فتهبط حبيبيتي دون أن تنبس ولو بحرف، وأتأخر عن الكلية ولا أبالي. أعيدها من مدرستها ظهراً، وأعود إليها لتركب معي بعد المغرب، ونشق حيّ المرقب ومعكال وشارع عسير، والجرادية وسلطانة، وعلى تخوم السويدي تهبط دون أن أعرف إلى أين تهبط وماذا تريد، لأرجعَ غداً إلى حيّ المرقب، وأجددها تنتظرني حيث تركب، وهكذا دواليك. لم أسألها قط عما تصنع، ولا إلى أين تذهب، وإلى من تذهب، ولم تحدثني. ومضى شهران وهي لا تتحدث، وأنا أتحايل كل يوم على عشرة ريالات أسكت بها جوع المازدا، وتنتهي مسيرتي اليومية معها فأرجع إلى البيت مضعضعاً، جائعاً، ظامئاً.

فكل ما يهمنا أن نبتعد عن الأحياء الهادئة، وننغرس كشعرة في جسم الثور

بعد ذلك أصبحَتْ تنسلّ من الحيّ بمشية مضطربة، كمن تقدم على عمل جبار، وتتدلّه وتبكي على ذراعي، وعندما نلجأ إلى الأحياء القديمة، نتحدث عن الأثمان الزهيدة، والممرّات المشبعة بحنين الأمس، دون أن أسألها أو تخبرني عما تفعل في حي السويدي، نتهرب بهذه الحذلقة من حقيقة الحب الماثلة؛ فكل ما يهمنا أن نبتعد عن الأحياء الهادئة، وننغرس كشعرة في جسم الثور، كان الحمام يعشش في منافذ مواقف الأجرة، غرب سوق أشيقر، أوقف سيارتي في المواقف قليلاً ليكون ما شاء الله أن يكون، ثم تتدحرج السيارة حلزونيّاً، في المسرب الوديع إلى الشارع، ونترك خلفنا مبنى المحكمة الرمادي الشامخ، بمنافذه التي لا تحصى. أشرت لها إلى بطني: سوف أجري عملية خطيرة، وسأضطر إلى الغياب، ورجعت بعد الغياب إلى كل معاهدنا القديمة، وبحثت بصدام السيارة المبعوج في كل المنعطفات والشوارع، فلم أعثر لها على أثر.

اظهر المزيد