هل قتل الثعبان غان؟ – قصة

عبدالواحد الأنصاري

عرفت أنه غان النيبالي فوراً، عندما رأيته يصعد إليّ الدرج، بصحبة عامل مزرعتنا تاج الباكستاني.
رأيته خافضاً رأسه، ولكني ميّزت فروة شعره الكثيف وهو يرتفع بها تجاهي شيئاً فشيئاً، في سترة رمادية، وبنطال جينز سماويّ كأنّما خرج تواً من المتجر، ولحظت أنه خلع سواره، وتخلص من قلادته، بيد أن وجهه الذي لوّحته الشمس لا يزال كما هو، وهالات السهر محيطة، كما عهدتها، بمحجري عينيه.
كنت أجلس وراء مكتبي، الذي أرصد منه الطلاب الأشقياء الصاعدين والهابطين ما بين أدوار هذه المدرسة الأهلية القديمة، لكي أفطن للمتأخر منهم، وللمتسيب في الممرّات، ولأحول بينهم وبين التسكع في مساحات ليست متاحة لهم في المبنى.
صافحني غان، وانصرف تاج وقد ملأت ابتسامة عريضة شدقيه، وعيناه تشعّان بظفر من نوع نادر.
منذ خمس سنوات وغان في المزرعة التي تجاور مزرعتنا، يكدّ هنالك ساعات طويلة لا يكاد يحصيها أحد، ثم يعود ليجلس على الحاجز الترابيّ الذي يفصل بين المزرعتين ويثبّت نظره على الأفق.
وفي إحدى المرّات لفتَ نظري أنه يحمل في يده عصا صغيرة، وقد التفّ حولها ثعبان صغير قتيل، صرت أجلس معه، نتحدث عن الثعابين، وأريه بعض الصور على الجوال، وربّما آتيه بشيء من الزاد: فول، ربع دجاجة، مكسرات، زبيب، وأحياناً بيبسي أو كولا مجمدة، وأسأله هل وجَد شيئاً غريباً، فيبتسم من وراء لثامه المغبر، ويرفع سبابته مشيراً أنْ: لا!
تصلني رنّة من هاتفه، خصوصاً في الصيف، ومواسم الأمطار، وأنا في المنزل أو المكتب أو أتجول في المدينة، فأتصل به، وتمر بيننا كلمات قصيرة، وضحكات جافة، وأجد فرصة سانحة، فأحرّك سيارة الشاص، وأقصد الحاجز.
يظل مولياً ظهره شطري، وكأنه لا يعلم بي، حتى أطفئ المحرّك، فيهبط بخطوات رشيقة، ويناولني خيشة غليظة، فيها ثعبان، أو بضعة ثعابين، وكنت أسلّط عليها ضوء الكشاف – غالباً ما يكون ذلك ليلاً – ثم أعيدها إليه.
في هذا الصباح اتصل بي عامل مزرعتنا تاج، وقال إنه سيصعد إلى الرياض لشراء بعض المبيدات، وأردف أن غان يريد أن يمرّ بي في المكتب، قلت: لا بأس.
قال لي غان في المكتب إنه أصبح مسلماً، ويريد أن أساعده على الاختتان، لأن كفيله لا يعنيه ذلك، وقد حصل على إجازة أسبوع لإتمام الأمر. وعلمتُ أن تاج هو من ظلّ يحوم حوله حتى عششتْ فكرة الاختتان في رأسه، وتذكرت نظرة الظفر في عينيه قبل قليل.
اصطحبت غان إلى شقتي العلويّة، وصعدنا درج الأدوار الثلاثة معاً، وفي الممر الضيق الذي يربط بين الصالة وغرفة النوم أطلق صيحة دهشة عندما رأى الثعبان البورمي الضخم الملتوي على هيئة حكمة عربية متشابكة مكتوبة بخط الطغراء.
كان الثعبان هادئاً، ينصت من وراء زجاج الدولاب الخشبي إلى هواجس الكون، ويسرح بخواطره في خفايا الوجود، ويدب تحت جلده الأبيض والأصفر إكسير الحكمة، وكان، كما تركته البارحة، مستلقياً بهيبة الكبار تحت النافذة التي يتسلل منها ضوء الشمس.
وسمعته يرحّب بي، ويلقّنني مزيداً من الصبر على انقطاع اتصالات مها، بعدما مر أسبوع كامل من الصمت التام، ولكن غان لم يسمع.
دخلت بغان إلى غرفة النوم، إلى حيث تنتصب خزانتان ذواتا لون بنّي معتم، وفتحت إحداهما، فرأى ثعباناً شبكياً آخر، أرقط، يهيم بوجهه، يحاول أن يصعد بجذعه إلى سقف الخزانة، وكأنه يتتبّع روحاً خفية تحاول التنكر بالتصاقها بذرات الخشب القاتم.
وبينما نحن ننتظر وصول طلب البيتزا تجوّلت معه في الغرفتين الأخريين، وأريته حاوية الفئران التي تحوي اثني عشر فأراً بالتمام والكمال، وعرجنا على الأرانب الرمادية الستة المرتعدة في أقفاصها على أعواد القش الأصفر، وأطلعته على طريقة التهوية والتغذية والسقي، ثم فتحت باب السطح، وأخذته إلى أقنان الدجاج الحبشي، ووصلت البيتزا فنزلنا وأكلنا، وشربنا برّاد شاي، ثم تركته ينام في الغرفة مع الثعبان الشبكي، وحملت صديقي البورمي المتثاقل معي إلى أرائك الصالة.
بعد أسبوعين وجد العمال غان معلّقاً من عنقه في غرفته الجديدة بالمزرعة، متدلياً، عارياً، وعندما زحزحوا ملابسه يسيراً عنه إلى الأسفل وجدوا قضيبه ملفوفاً برباط ضاغط، ولاصق طبّي.
لا أدري بماذا وسوس إليه الثعبان الشبكي، لأني أهديته إياه صبيحة ذلك اليوم، قبل أن ننطلق إلى مستوصف صغير مجاور، نصحني إمام الجامع أن أذهب به إليه.
كنا قد خرجنا من الفوّال، وأدخلتنا موظفة الاستقبال على الطبيبة الشامية، فسألتنا بابتسامة محببة: أين الطفل الياباني الذي أسلم أبواه؟ لكنّ عينيها اتسعتا رعباً حين صححت لها المعلومة، وأخبرتها بأنه لا يوجد طفل ياباني، وإنما هو مزارع نيبالي فحل، ومن مربّي الثعابين العظيمة.
أجريت اتصالات أخرى، فدلتني على مستشفى في الطريق الدائري الشرقي، وأضعت في الزحام ساعتين ونصفاً وأنا أعالج النفاذ إلى مقصدنا باختراق الأحياء التي غيّرتها التحويلات التي رُصفت بالمتاريس الخرسانية المخططة بالأحمر القاني. وعندما وصلنا إلى المستشفى أخبرونا بأن الطبيب اليمني المقصود انتقل إلى مستشفى آخر في وسط أحياء المدينة القديمة، خلف إحدى المقابر الشهيرة.
كان مكيف السيارة معطّلاً، وغان يبدو مبلبل الخاطر، ومن تحت ناقل السرعة يخرج دخان متراقص يدل على أن جوف الحديد الذي نمتطيه ليس على ما يرام، وظلت الاتصالات تتوارد إليّ من المدرسة، ولا ألقي لها بالاً، وأرد عليها برسائل واتسابية مقتضبة مفادها أن لديّ ظروفاً خاصة، وبعد ساعة وربع استقبلنا الطبيب اليمني: كان طوالاً عريض المنكبين عظيم البطن لاهث الأنفاس متعرقاً كأنما خرج الآن من غرفة حمام بخاري، ولكنه كان بسّام الثنايا، غير أنه اعتذر بأن دوامه انتهى، وطلب منا أن نملأ نماذج، ونأتي من أحد المستشفيات بأوراق تثبت تبرع ثلاثة أشخاص بالدم لمصلحة غان، لأن بنك الدم في هذا المستشفى الخاص لا يستقبل المتبرعين، وأعطاني رقم هاتفه، فأرسلت إليه رسالة واتسابية، ومنذ ذلك الحين، أي منذ أسابيع طويلة، ورسائله تهطل كل يوم على هاتفي، وليس في محتواها أي شيء غير باقات الورد، إنه جراح المسالك الذي لا يرسل جواله إلا صور أصص الزهور.
تغدينا أنا وغان معاً، وتجولنا في الأسواق الشعبية، واشتريت له ساعة الفجر الحديث، وشرحت له كيف تدله على أوقات الأذان، وفي المساء أطللنا على الثعبانين الخجلين الوقورين، نظرنا في عيونهما الرائقة الصافية، وحدثناهما من قلوبنا، وسامرناهما على قنوات الأخبار والرياضة والأفلام في الصالة، وقبيل أن ينتصف الليل صلينا وانصرف كل منا لينام إلى جوار صاحبه.
مضى اليومان الثاني والثالث في جمع الدم، أقنعت أحد إخوتي الأربعة، وتبرعت أنا، وجاء تاج في اليوم الثالث، وقبيل العصر حصلنا على التوقيعات اللازمة من بنك الدم في المستشفى الحكومي، وحضرنا باكراً في اليوم الرابع إلى الطبيب اليمني، الذي تأكد من الأوراق، وأتم الإجراءات، ثم أقفل عليهما الغرفة.
في اليوم الخامس تركت غان نائماً في سريره إلى جوار ثعبانه ذي التموجات البنية الساحرة، وقضيت يوماً حافلاً في المدرسة، لأن عمل الأيام الماضية تراكم علي: اتصلت بآباء لم يحضر أبناؤهم، وحللت مشاجرات بائتة بين طلاب الصف السادس، وركضت إلى محالّ الخردوات والبضائع المخفضة لأشتري هدايا لآخرين، وفتّشت فصول الصف الخامس للتأكد من إشاعة عن آلة حادة، وملأت بيانات بطاقات بأسماء المثاليين، واستقبلت وليّ أمر يريد ضرب سائق الحافلة، ورحت أهدئ من روعه، وطبعت تنبيهات على ورق الطابعة الكبير باللون الأسود الغليظ، وجعلت حجم الخط أربعين، وألصقتها بمغاسل الوضوء، ومررت بالمدرسين لأسألهم إن كان ثمة شيء جديد، فأعطاني أحدهم رقم وليّ أمر يريد أن يواعدني غداً لعلي أقنع طفله بعدم تغيير المدرسة.
في أثناء تلك المعمعة كان غان يجلس وحيداً بين الثعبانين الحكيمين، تتلقى مسامه وخلايا دماغه طاقة الحكمة المنبعثة منهما، ثم انتابه الوهن بعض الشيء، وبدأ يشعر بالتململ، واعترته الحمى، وسرى تنمل إلى موضع جرح الختان في ثلث قضيبه العلوي، وقد علمت عندما فتحت باب الشقة، قبيل العصر، وأنا أحمل معي الغداء: دجاجة مظبي مع الأرز، وبامية، ولبن، وكنافة، أنه لم يستطع أن يحافظ على الرباط الملفوف حول ذكره، وأنه أحسّ بشيء يأكله من الأسفل، وأنه ظل يتلبط ويتلوّى من الحكّة وهو يتمنى أن يسلخ بأظفاره جِلد إحليله، ولذا وجدته وقد خلع عن عضوه الضماد، وجلس عاري الجزء السفلي من جسده، متربعاً في طست الحمام الأحمر الكبير، وقد ملأه بالماء الدافئ وذلك الشيء يطفو فوقه، وهو يظنّ أنه يغطيه بيده اليسرى، والماء الملوث يسقط من جوانب الإناء، ويسيل على بلاط الحمّام، وأثناء ذلك كان الثعبانان يرتجفان بسبب البرودة التي بثّتها عذابات ضيفهما في الشقة، ويعبران عن ارتيابهما الشديد من بنطال الجينز الملقى بطريقة تعكر أجواء بيئتهما الوادعة.
في اليوم السادس اتصل بي إمام الجامع، وسألني عن ختان غان، وعندما أخبرته أنه بخير ولا يزال معي في الشقة اقترحَ أن أحضره معي إلى صلاة الجمعة ليعلن عن إسلامه أمام المصلين، واعتذرت بأن الرجل لا يزال يعاني من جرحه حتى الآن، ووعدته أن آتي به الأسبوع المقبل أو الذي بعده.
وفي اليوم السابع نهض غان من الطست، وأعاد إحكام الضماد، ورحل إلى المزرعة بصحبة تاج، كان ينزل درجات العمارة بحذر، مباعداً بين قدميه، حاملاً معه هديته المرقطة الثمينة في كيس غليظ من الخيش، الهدية الوحيدة التي نالها من المسلمين على إسلامه.
بعد أسبوع انتحر غان
وفي الأسبوع الذي تلا انتحاره اتصلت الشرطة لأخذ إفادتي، وأرادوا زيارة شقّتي بما أنني بدوت غريباً بعض الشيء
وفي الأسبوع الذي تلاه اتصل صاحب المزرعة المجاورة وطلب مني أن أجيء فورا وأريحه من الثعبان الشبكي
وفي الأسبوع الذي بعده اتصل صاحب العمارة برجاء إخلاء الشقة
وفي الأسبوع الذي أعقبه اكتشف صاحب المزرعة المجاورة مستعمرة ثعابين تحت الإطارات القديمة وفي حطام الصفيح وبين النباتات القديمة، وقُدرت أعدادها بالمئات
وفي الأسبوع الذي أتى بعده تعرض تاج الباكستاني في مزرعتنا للدغة أخفت النظرة المنتصرة من عينيه
وفي الأسبوع التالي زارني أبي واثنان من إخواني الأربعة في الشقة
وفي الأسبوع الذي بعده واجهت إنذاراً بالفصل النهائي من المدرسة الأهلية
وفي الذي بعده قتلت الفئران
وفي الذي بعده اتصل بي تاج وأخبرني بأن الثعبان الشبكي عبر من المزرعة المجاورة وهاجمه في مزرعتنا، وأنه قتله، لم أصدقه ولكنني اضطررت إلى الصمت والتجاهل
وفي الذي بعده بعت الأرانب في سوق الحمام
وفي الأسبوع الذي جاء بعده أخليت الشقة لصاحبها وحملت الثعبان البورمي الحكيم معي وانتقلنا إلى شقة مفروشة
وفي الذي بعده أعلنت في حراج وأنستغرام وفيسبوك أن لدي ثعباناً بورميّاً جميلاً للتنازل، بشرط التعهد بحسن التربية وإحسان المعاملة، ووضعت عنوان بريدي الألكتروني
وفي الذي بعده اتصل صحافي طفيلي
وفي الذي بعده اتصلت مها، بعد انقطاع دام ثلاثة أشهر
وفي الذي بعده أرسلت مها إلي على الواتساب صورة ثعبان ضخم شبكي مقطّع أوصالاً، وإلى جواره إصبع يد ليست غريبة علي، وهي تشير إلى القطع الممزقة، وتحت الصورة شرح مكتوب يقول: ثعبان عفريت طب على عزبة باكستانيين، وتفاهموا معه الرياجيل
وفي الذي بعده ساد الصمت التام، ما عدا ورود الطبيب اليمني
وفي الذي بعده اتصل بي رجل يظنني مفسر أحلام: قال إنه رأى ثعباناً أبيض في المنام، في رأسه ضربتان، وأنه دخل الحجرة عليه وعلى زوجته وابنه، وكان هو يحذر المرأة وابنها، منه، وهما لا يريانه، وهو يذهب ويجيء كأنه من أهل البيت.
سألته: كم عمر زوجتك؟ هل هي صغيرة؟ قال: لا، هي امرأة في وسط العمر، قلت له: هل سبق أنك طلقتها؟ قال: لا.
قلت: هل قتلت الثعبان في المنام؟ قال: لا.
قلت: منامك منام خير، وزوجتك امرأة طيبة، لكن عليك أن تتفهمهما وتصبر عليها إذا حصل منها أي قصور.
وفي الاسبوع الذي بعده ساد الصمت التام
وفي الذي بعده وصلت ورود الطبيب اليمني عبر الواتساب
وفي الذي بعده ساد الصمت التام
وفي الذي بعده وصلت ورود الطبيب اليمني
وفي الذي بعده ساد الصمت التام
صدقيني يا مها، إن الثعابين الحكيمة تساعد على الحياة، وتداوي الجراح، وكذلك، هي التي تقتل العشاق حين تخترق أحشاءهم وتعتصرهم من الداخل، وهي التي توقعهم في مصيدة الأثير الأزرق، وهي التي تجعلهم يرتمون في أحضان الوقت المائي.
هل أحببت أحداً بعدي يا مها؟
الحب يا مها، ثعبان غافٍ، كائن مخاتل، ينام في أضلاعك ألف عام، ثم ينتفض فجأة ويتمدد، ويتقلص، ويلتف تحت جلدك بأضلاعك ويلويها، وينفذ إلى نخاعك، ليعلّم جذعك سر الانقياد، ووجدانك غدق الانثيال، وأطرافك لغة الارتجاف، وأنت تنظرين إليه، ولا تطيقين صنعاً.
الكائن الثعباني يوسوس من داخل فؤادي، يلوث لوحاتي بلخطات من صمغ اليأس، يملك علي زمامي، أبثه شكواي، فيقهقه ويتلوى بي، فأتلوى معه، وتتوقد جذوة في الصدر المرهج.
قد كانت الروح جذع سمرة، فاشتعلت، وارتفعت روحها في الدخان.
تستطيعين يا مها أن تتلقي إلهام الثعبان البورمي الحكيم، لكن عليك أن تعلمي أنه كائن خجول، ذو روح عميقة وعريقة، وعليك أن تتعاملي مع خجله بهدوء واحترام وإنصات.
ذلك الثعبان: كم جرّ بين كتفيه من نفسٍ ممزقة من الهوان، وقلب يشتكي الوهن، كم تلوّى من جوع وعناء، وكم تقرفص ككائن حبيس، وكم رأت عينا جوفه من حزن.
لا أدري لماذا انتحر غان، ربّما لأنه أولع بالثعبان الشبكي بعدما عاد معه إلى المزرعة، ربّما لأنه كان يهمس في روعه بأشياء غير التي يهمس بها صديقي البورمي في وجداني، ربما لأنه تلقى اتصالاً قاسياً تعبّر له فيه عائلته عن موقفها من إسلامه، ربما أرهقه البقاء طويلاً في غرفة واحدة مع الثعبان الشبكي، ربّما ذكرته المدرسة الأهلية وأطفالها الأشقياء بأطفاله، وربّما لأنه سمع محاضرة داعية نيبالي عن الثعابين التي تلتف بالعصاة في قبورهم، وعن ثعابين جهنّم المفترسة، ربما رفض كفيله أن يمنحه تأشيرة خروج وعودة، ربما لأنه كره شكل علم بلاده الذي يشبه فكّ ثعبان يضحك ساخراً من العالَم، وربّما لأن العمال أرغموه على أن يعتزلهم ويتخذ له حجرة جديدة يصطحب معه فيها هذا الكائن المخيف، ربّما لأنه نسي صورة شوارع بلاده المرصوفة بالطوب الأحمر، وأبوابها الخشبية، وأعتابها الحجرية التي صبغتها الطحالب باللون الأخضر، وقمم الجبال التي تستلقي وتنفث الضباب كدخان السجائر، والرهبان البوذيين الذين يرتدون العباءات الحمراء ويتمرغون ببطونهم على وجه الأرض متظاهرين بالطيران، ربما لأنه لم يستطع أن يجمع بين التخاطر الإلهامي الطويل مع ثعبانه وبين البقاء متحجراً على الحاجز الرملي بين مزرعة كفيله ومزرعتنا، ربما ندم على إسلامه، ربما خيّره كفيله بين إعادة الثعبان إلى صاحبه – الذي هو أنا – وبين ترحيله إلى بلاده، ربما اتصلت به زوجته وأخبرته أنها وقعت في حب أخيه الشقيق بعده، وأنها تريد أن تطلقه، ربما شوقته الفصول الجافة إلى العربات التي تجرها الثيران البيضاء، وربّما تأخرت مستحقاته، ربما كان يريد أن أهديه ثعباني البورمي الوسيم الأخاذ وأنا أهديته الآخر الذي لا يريده، وربما لم يجِد الحفاوة التي توقّع أن ينالها بسبب اعتناقه الدين الجديد، ربما فقد رائحة الوحل، وتلاشت من ذاكرته صورة خراطيم الفيلة الرمادية، ربما غلبه الأسى على الثعابين الصغيرة التي كان يتخلص منها، ربما تذكّر الطرق الجبلية الملتوية كالثعابين وهي تصعد به إلى قريته التي تبعد مائة كيلومتر عن كاتماندو، ربما أصبح ينام أكثر، وربما ما عاد يستطيع النوم، ربّما أدرك أنه يحبني وأنه لا يستطيع العيش بعيداً عني، ربما أجرى عملية حساب يسيرة وأدرك أنه لو قضى في هذه المزرعة خمس سنوت أخرى فسيظل جاثماً زاحفاً هائماً على وجهه كهيئة الثعبان الشبكي، وربما كان الثعبان الشبكي قد حدثه بجميع ذلك، وسمّم له أفكاره، وجعله يصطخب ويضطرب ويغرق في بِركة مخيلته الكسيفة ومشاعره الكسيرة.
في الصباح يا مها، تنسرب سيارتي بين الأودية الصفراء، التي جرحتها أنياب الجرافات، قبل أن تعرف أصابعي الناعمة ملمس الرحِم الرحيم.
المرتفع يطلّ على الأرض الفضاء الواسعة غرب المدينة، برمالها الخجلى، التي تطلعت ذات يوم إلى معانقة صخور الهضبة الصفراء، التي ظلت منذ الأزل شامخة بعنقها، عصيّة على العناق، ناظرة بتثاقل ناعس، إلى آمال الرمل الحزين، حتى تذروه الرياح، ويتلاشى، ويتحول إلى نشارة شبورة كتلك التي تستفيق تحت الأهرامات، وأراضي النزلة القاحلة تتطلع إليها باغية الوصال، بحثا عن عناق دون جدوى.
الهرم والهضبة هما عنقك يا مها، ورمال الغرب وأراضي النزلة هما أنا.
يتنامى عذاب البُعد يا مها كما لو أنه لغة يتعلمها طفل نبيه، ويتلاشى طيف التعقّل كما لو أنه ذاكرة شيخ هرم، وأضل طريقي إلى مكتبي في المدرسة كما لو أنني أستخلص الهدى من الهوى، أو باحث عن الحكمة في إقدام الفراشات على ألسنة اللهب.
إني أرى غان الآن، أراه الآن كما كان من قبل، يستقر بجذعه الصامد على الحاجز الرملي وكأنه سريره ومقعده ومعبده ومجلسه التأملي، أو كأنما هو يعاني رهاباً من الغرف المسقوفة، أو يخشى المكث في الظلال، فيقتعد موضعه الأثير، على التراب الملبّد، الذي تتخلله حصيات صغيرة، وتهيم على خريطته أسراب النمل، ويستطيع من يعتاده أن يرصد هسهسة الهوام، ويشهد على تهافت حشرات الليل حول سجائر غان.
يجثم غان هنالك، مغطياً وجهه بخرقة بيضاء، وإلى جواره إبريق ماء بلاستيكي، وتحت وركيه قطعة مزدوجة منزوعة من شراع صناعي أزرق.
يعبّ غان الماء، وينظر إلى خط الأرض، حيث تهوي الشمس الغاربة في أمسيات الشتاء سريعاً وكأنها مصابة بالخدر، وينزاح يميناً أو شمالاً ليباعد بين ساقيه ويتبول.
في أثناء ذلك يقضي بقية عمال المزرعة معظم أوقات فراغهم مستريحين هانئين، وعلى وجوههم تنعكس ألوان شاشات القنوات الفضائية، ويغشى النعاس أعينهم وهم يبددون الوقت تحت أسقف غرفهم الوطيئة العشوائية.
يظل سرير غان ينتظره، حتى يتسلل إليه في الهزيع الأخير، فيستلقي عليه ثلاث ساعات أو أقل، ثم يهبّ كالمفزوع، ليخرج من الغرفة إلى الفضاء الواسع، ويفتح رئتيه ليتدفق الهواء كالشلال إليهما.

اظهر المزيد