أسبوع الموت – رواية سيرية

 

 

قصة الرواية

أتقدم خطوة في الدرب المضيء، لعل القارئ يستشفّ وهو يقرأ الرواية شيئا مما أبوح به هنا.
لهذا الكتاب قصة، ويقال إن الحقيقة أغرب من الخيال أحيانا، لكنني أعتقد أن الحقيقة وحدها ما يغذي الخيال، فهو امتداد لها.
كنت أحوم حول أسوار نادي النصر وفي أروقته، وقد تأبطت ذراع الصديق حمد الصليهم، باحثا عن وظيفة، وكنت أقول له: كاتب على الآلة، سكرتير، أي شيء! النادي على طرف لسان المدينة غربا. وحبل الأمل قصير، لكنه لا يعوقني عن معاودة قطع المسافة الطويلة مجدّدا. آنذاك عرفت الأمير عبد الرحمن معرفة خارجيّة، وتوثقت علاقتي بسكرتيره الوفي: موسى الحامد. كانت أحواله العائليّة مضطربة، ونفسيّته مهتاجة، ودفعه اهتياجه إلى السفر لفرنسا؛ لزيارة ذوي قرابةٍ له هناك، وعاد. تناولنا عشاء خفيفا عندي في المنزل، وبالمصادفة حدث أنني قابلت الأمير بدر بن سعود في تلك الأيام، وأحدثت فيّ مقابلته أثرا، كتبت على إثره قصة بعنوان: في بيتنا مات عصفور، وهو العنوان الذي اقترح عليّ الأستاذ فهد العتيق أن أغيّره إلى: عصفور البيت. لم أكن قد تعرفت على العتيق إلا قبل بضعة أيام، قرأت فيها مجموعاته القصصية الثلاث. وجمعتنا جلسة مجنونة بعد الظهر، التهمنا فيها مسوّدة روايته (كائن مؤجّل) وفرغنا منها بعد العِشاء. بعد أيام قليلة من ذلك سمعت بوفاة الأمير بدر. وومضت في ذهني أجواء القصّة التي كتبتها بتأثير لقائه، وهممت بتطويرها. لكنّ وضعي الأسريّ القلق أثر فيّ وأضعف من حماسي. كنت متوتّراً، أفكّر في أعباء السكن والنفقة، وأبحث عن وظيفة، ويدفعني الفراغ إلى مصاحبة كل الأصدقاء وحضور كل الولائم ومشاهدة كل المباريات، أصحب الصديق حمد الصليهم في مباريات النصر إلى أستاد الملزّ. وأحيانا أجيء ومعي أحدهم لنلتقي أمين النادي: الأستاذ خالد الميماني، نقترح عليه مشروعا لإقامة مقهىً وخدمات إنترنت، وكان الأمين يؤجلنا نظرا لاعتلال الأمير عبد الرحمن واضطراب الأمور التي تجري بما لا تشتهي السفن. ثم توفي الأمير عبد الرحمن، فعاودتني أجواء قصة عصفور البيت ووفاة الأمير بدر وهاجس الكتابة عنه، وأصبح التصاقي بما جرى للأمير عبد الرحمن في تلك الأيام دافعاً صادقا لرصد الهاجس الوحيد الذي أحسست أنه يستحق المطاردة: هاجس الكتابة. التقيت أصحاب السمو أبناء الأمير عبد الرحمن في جلسة العزاء الثانية، وفلاشات الصحف والتلفزة تلمع، وتحاول اقتحام الحدث كما ينبغي، والصيف في ذروة ثورانه، ومشهد العزاء قريب جدا إلى نفسي، وكأنه مشهد بكر لم أر مثله قطّ. تحدثت إلى الأمير سعود عن فكرة الكتابة، وعن احتياجي إلى المعلومات، فأمدّني بها، والتقاني في مجلس والده الفقيد، وفي النادي، وتابعت كل ذلك بشغف من يخشى الفشل! في البداية لم يشجّعني الأصدقاء على ما أنا بصدده، لكنني تجلّدت وعذرتهم، لأنني كنت أستطيع تخيل ما يدور بخواطرهم عما يدفع كاتبا قاصّا إلى الكتابة عن شخصية رسمية!
وشرعت في الكتابة، لا يمنعني ضيق ذات اليد، ولا الأهوال التي عصفت بأسرتي في ذلك الحين، ولا التوجّس من عدم انتشار الكتاب! وكنت عندما أخشى الفتور أجرّب نفسي في كتابة بعض القصص القصيرة التجريبيّة؛ وتوصلت في تلك الفترة إلى قناعة: أن اهتزاز الظروف الاجتماعية للكاتب هو أكبر مؤثر في تغيّر الشكل والرؤية الإبداعيّة لديه، وقد ينتقل بسبب ذلك من طرف إلى طرف. اطلعت على الكتب التي تحدثت في موضوع مماثل، ومنها رواية هذيان لأنطونيو تابوكي، عن أيام فرناندو بيسووا الثلاثة الأخيرة (وهو شاعر برتغالي)، دفعتني قراءة هذا الكتاب إلى الأمام، لكنها رمت بي إلى الضفة الأخرى، أي في الرؤية المعاكسة لرؤية تابوكي، الذي أراد بروايته القصيرة جدا أن يرسم لوحة انطباعية خاطفة للأوهام التي تتغشى الميّت، وكان فيها شديد الاعتداد بالشاعر، إلى درجة أن الشخصيات التي زارته قبل وفاته كلها شخصيات أدباء وشعراء! ومع الجمال اللافت لتلك الاستعارة، إلا أن ما آسفني منها هو أنها لم تجد في لحظة الوفاة ما يستحقه الشاعر إلا أن تعاوده خيالات قصائده ورفاق مسيرته الإبداعية. وفي خضمّ اهتمامي بتجارب الكتابة عن الشاعر بيسووا رحت أتابع البحث عما كُتب عنه، وكنت مدركا أن هذه حال شبه جنونيّة! فكيف أبحث عما كتب عن أحدهم، وأنا أؤلف كتابا عن شخص آخر غيره؟! المهمّ أن حظي في هذا البحث كان جيدا: عثرت على ترجمة أنطون حمصي لرواية بعنوان: سنة موت ريكاردوريس، وهي رواية عن وفاة إحدى الشخصيات الوهمية التي صنعها الشاعر البرتغالي بيسووا، ومفاد الرواية الخبري أنها ترصد الموت البطيء لريكاردوريس، في السنة التي تتلو وفاة الشاعر بيسووا.
وقد انبهرت بأسلوب ساراماغو (كاتب الرواية) في إدارة الصراع مباشرة بين الأفكار المختلفة، وهو الأمر الوحيد الذي أصيبت بعدواه رواية أسبوع الموت، التي لن أضع لمساتي الأخيرة عليها إلا بعد ذلك بأكثر من عام، وأصبح يلازمني بعدها هذا الأسلوب في جميع كتاباتي القصصية بلا استثناء، حتى إنني في أحد المقاطع شعرت بمحاصرة الأسلوب، ولم أجد ما يمكنني من التهرب منه إلا أن أفتح هلالين أقول فيهما بطريقة مباشرة (وهذا أسلوب استفدته من جوزيه ساراماغو)!
لم يكن الصديق موسى الحامد بأحسن حالا منّي، كانت ظروفه على كفّ عفريت. لكنّه صمد معي، وأكرمني بكل ما يعرفه عن الجانب الإنساني في شخصية الأمير عبد الرحمن. وأكبرت فيه أنه لم يكن متفائلا بأحواله، لكنه كان متفائلا لي، وخالطاً ظروفه بظروفي، اصطحبني إلى لقاء الأمير سيف الإسلام بن سعود، وكانت ليلة طويلة، شجعني فيها ترحيبه بالفكرة، ودفعني إلى مزيد من الاستسلام لحمّى الكتابة، ونمت الغرسة وتفرّعت غصونها، وإذا بكتابتي عن هذا الرجل تتشعّب لأجد أنني أتحدث عنه وعن المدينة وعن الناس وعن المصاعب التي اكتنفتني حينئذ حتى غصصت بها.
لعل من المضحك المبكي أنني وصديقي موسى تقدمنا معاً في تلك الأيام إلى وظائف ليست لنا ولسنا لها: جرّبنا العمل في مكتب يعدّ امتدادا لمكاتب قناة روتانا، وكان الراتب مغرياً لنا مع إفلاسنا، واشتعال أنفسنا التي عضّ بها ناب الفاقة؛ لكنّ تجربة القناة لم تنجح، لأن مكاتب الوظيفة كانت مضرّة لصحتنا، ولأنّ تعليماتها الصارمة كانت تطال بالخصم كل شيء. جرّبنا شيئا آخر، وهو تصميم برنامج (سنترال الهاتف)، على جدول الأكسس وبرنامج الفرونت بيج، نضع فيه طريقة مبسّطة لجدولة أرقام الهواتف، ونسوّقه مع جهاز الكمبيوتر على الجهات المستهدفة: وهي بيوت الشخصيات التي تمتلك من الاتصالات ما يستدعي هذه الخدمة. كان الشتاء قد أزف، واشتدّ في منتصف رمضان، وقد برد قبرا الأميرَين (بدر وعبد الرحمن)، وأنا لا أزال أكتب كتابي، ولا تزال قرون استشعاري متوثّبة. لم نجد الحماس الكافي ولا الإمداد المادي اللازم لإتمام فكرة مشروع (سنترال الهاتف)، فتخلينا عنها وتقدمنا –معا!- لوظيفة ثالثة. وشرع موسى يبوح لي ويغريني بفكرة رابعة لا تقل جنونا: لماذا لا نجرّب العيش في الخارج؟ هكذا تصل بالبشر اضطراباتهم النفسيّة، إلى أن تكون كل بارقة من بوارق أفكارهم مثارا للنقاش والدراسة؛ في تلك الفترة الحرجة تعلّمت أنه لا شيء يقرب الإنسان من الحمق والجنون أكثر من البطالة.
تقدمنا إلى وظيفة ثالثة، وقُبلنا فيها، لكن موسى استأذن ليقضي العيد في جدة، واتصل بي ثاني أيام العيد ليخبرني بوفاة والدته وأخته في حادث. وانقطعت عني أخباره بعدها، ليتصل بي من لندن! لقد دفعه الحزن والتمزّق العائلي إلى تنفيذ فكرته المجنونة: الهجرة إلى الخارج.
أرسلت نسختين من الكتاب إلى اثنين من الأصدقاء الموثوقين، فكانت لهما ملاحظات على إدراج شخصية الوزير في المونولوجات الدائرة بين الراوِيَين في الكتاب، أخذت الملاحظات على محمل الجد، واختزلت الموقف حتى لم يبق منه إلا ما يتسق مع وحدة العمل، وأجريت تعديلات لغوية وإملائية وأسلوبية سريعة، وتقدمت بكتابي للنشر، فعاقتني مسائل لم أكن ذا جلد آنذاك لأتحملها؛ كانت الأيام تضغط على خاصرتي بقوة تفوق قدرتي على التركيز: جمعت القصاصات والمجلاّت والمذكرات ودفنتها في أحد الأدراج.
لست آسى على تلك الفترة، فقد تعلّمت فيها كثيرا، وخضت فيها تجربة إنسانيّة لا يستهان بها، راجعت أفكاري، وتقدمت في العمر عشر سنين دفعة واحدة، فخسرت أكثر أصدقائي السابقين، وتعرفت إلى سائر أصدقائي الحاليّين، والآن أؤمن أنني في مرحلة لم أكن لأعيشها لولا مروري بتلك المصاعب الملحّة على التغيير، وعلى سبيل الجد لا الهزل: لم أكن لأتخيل أني سأبني في داخلي تمثالا معظما لأحد، لو لم أتعرف على الأستاذ الشاعر عبد الله الزيد والأستاذ عبد العزيز العبيكان والأستاذ عبد الرحيم الأحمدي وغيرهم وغيرهم . وكان لا مناص من تعرضي لهذه الأحداث حتى أعرفهم!
تعطلت رواية أسبوع الموت أو توقفت، وصدرت لي مجموعة القصص الطويلة: الأسطح والسراديب، وتوهّجت في الجسد الحياة، وسرت الدماء في العروق واستعادت البشرة لونها، ودخل رمضانٌ جديد، ونبتت في الكف رائحة صباح. انتقلت إلى شقتي الجديدة، وزارني الصديق مشعل العبدلي، كان قد تماثل للشفاء بعد عملية القلب، وشع في وجهه ألق الصحّة. أطلعته على مقاطع منها فسألني سؤالا مريرا: ما مصير هذا الكتاب؟ قلت: لا أدري، الله أعلم.

أبحث عن الناس لكي يقنعوني بإكمال الكتابة، بيد أن الكتابة عمل فرديّ لا ينقذ فيه أحدٌ أحداً

تحملتها (كلمته) على مضض، لكنها لم تكن لتهدأ، فأعادتني إليها، وأنبتتْ لي قرون استشعار جديدة، وزادني ظمأً على ظمإٍ لقاءٌ جمعني بصديقي الشاعر أبي أسامة الأنصاري، الذي لم تمنعه معاناته من حمى تغير الجوّ، وأنفلونزا الشتاء، من حثي على إتمام المشوار، وتضاعفت الهمّة بعد اتصال قصير دار بيني وبين الكاتب يوسف المحيميد في هذا الشأن، وإذا بي أكتشف في نفسي سلوكاً مرَضيّا مفاجئاً: وهو أنني أبحث عن الناس لكي يقنعوني بإكمال الكتابة، بيد أن الكتابة عمل فرديّ لا ينقذ فيه أحدٌ أحداً. رجعت إلى الإضافة والتمحيص والتنقيح، وإلى خوض المكالمات الطويلة مع صديقي القاص صلاح القرشي، أستشيره في هذه اللفظة وفي تلك، وبعد التعديل طبعت خمس نسخ جديدة للمراجعة: نسخة لسمو الأمير سيف الإسلام بن سعود، نسخة للكاتب عبد الواحد اليحيائي، نسخة للقاص عبد الهادي القرني، نسخة للقاص خالد الصامطي، نسخة للقاص الذي سنراه روائيا عما قريب: يحيى سبعي.
زرت وزارة الإعلام، وأجريت مكالمات هاتفيّة أجس فيها نبض النشر في الخارج. لكنني حظيت بمعلومات مبشّرة عن الداخل منحتني دافعا تعويضيّا. ضممت ملاحظات الأصدقاء إلى صدري، وهأنذا أمتلك الشجاعة لأتحدث عن الكتاب علنا، وأفيد فيه الأصدقاء والصحافيين المتصلين.
نحن الآن في صباح يوم السبت الرابع من فبراير. أعدّت لي أم وفاء إفطارا خفيفا، وبين يدي بضع كلمات، ما عليّ إلا أن أعدلها على الملف، وأسلمها للطباعة، وإن تبقّى بعدها شيء من الزلل فأنا أحتسبه فيما يقيني شر الحسد الذي يجلبه الكمال.
حركة الريح في الخارج تشتدّ، وأسمع هذا الشتاء الحبيب يهمس لي بصوت مبحوح، لكنه محببٌ ومغرٍ بالوصال، يهمس لي: أَقبِلْ!
كان المارد في القمقم، والآن تدحرج المارد والقمقم، وكان الفتح وانكشف الغطاء.

اظهر المزيد