العوالم الصوفية في القرن الـ 17 بمصر

بعد فوز الروائية رجاء عالم بجائزة البوكر العربية للرواية أصبح من الممكن للقارئ العربي أن يعيد النظر في المنجز الروائي الخليجي خاصة ما يصدر منه في المراحل الأخيرة.

ومن ضمن الأعمال الصادرة أخيراً عن مؤسسة الانتشار العربي اللبنانية رواية ممالك تحت الأرض لكاتبها عبدالواحد الأنصاري، الذي خرج من أجواء عاصمة الرياض المكتظّة بسكانها وهاجر إلى العوالم الصوفية في مصر القرن الـ17 الميلادي، مستكشفاً العوالم السفلية للحركات الصوفية الباطنية في مصر القديمة. ينشأ الشاب قاسم منبهراً بالتاريخ الصوفي في عائلته المتمثل في أبيه وجده وعدد من ذوي قرابته، وينضم بوصفه مريداً إلى أحد المشايخ المشهورين، الذي يرسله إلى شيخ آخر غامض يدعى “ضياء” فيعرضه لتجارب مريعة في ما يسمى “مخالفة هوى النفس” ويخضعه لابتلاءات شهوانية واختبارات في القدرة على التحمل، وفي التخلية الروحانية من الشهوات في الوقت نفسه والتخلية بالأوراد والأذكار. كما يجربه بعد ذلك في الولاء المطلق. ويلتقي “قاسم” بفتاة تدعى راضية كانت تعمل في “عالم الظاهر” بغيّا، وهي في حقيقتها الباطنية وليّة صوفيّة تشع روحها بالذكر والوجدان الإيماني وتتمتع بالكرامات الإلهية، ويقع في حبها ويسمح له مشايخ الصوفية بالزواج منها. ثم بعد ذلك يهيئونه جسديا وجسمانيا في تمارين قاسية ليصبح أقوى شاب مصريّ من الناحية الروحية والبدنية، تجهيزاً لمهمة غامضة لا يدري ما هي، ليكتشف في النهاية أن ما يقدم له من إعدادات وتجارب إنما هو لأجل مهمة قتل سريّة.

لكن المفاجأة لا تقف هنا، بل تكون في أقصى درجاتها حين يعلم قاسم أنّ الشخص المطلوب اغتياله قد استعد للموت وجهز نفسه له من باب التخلص من آثامه القديمة، ونذر نفسه قرباناً للتضحية الصوفية الملخصة في “مخالفة هوى النفس”. ويعيش القارئ لحظات غريبة من الحوار الندّي بين شخصيتين كلتاهما تجد نفسها في وضع شديد الحرج والغرابة: حيث قاسم يقتحم المنزل ليجد حسين الخولي مستعداً للموت، فيتردد قاسم، ويبدأ الخولي (الذي يفترض أنه هو القتيل) في محاولة إقناعه بقتله. فيجد القاتل نفسه ضحيّة، ويجد القتيل نفسه في موقف الإقناع بارتكاب الجريمة!

في عالم “ممالك تحت الأرض” يرسم الأنصاري صورة مرعبة للحركات الروحانية في تجربتها السريّة المليئة بالمفارقات، فنعيش الصراع بين كرامات الأولياء ومخاريق الشياطين ولذعة الشهوة ولذة الصبر، ومكابدة الاختلاط بالناس والصبر على أذاهم، ومحاولة الانعزال والخلوة في الظلمات إلى القرآن والأوراد، كل ذلك لينقل عوالم التناقض بين الروح والمادة في أشد صورها غرابة وفتنة وبشاعة.

هذا العمل كما يتحدث عنه حسان أبو صلاح في مقال له يختلف عن الحبكات التجريبية التي كان الأنصاري يقدم نسقه الروائي من خلاله. ففي رواياته السابقة كانت الحبكة عند الأنصاري تتناول شخصيات تعاني من التهميش والخضوع والدونية الملتصقة بضحضاح المجتمع. لكن في ممالك تحت الأرض تتجه إلى محاولة رصد واقعي تاريخي روحاني أفقي لحياة هذا الشاب الصوفي، الذي لا يعاني هذه المرة من الخنوع والاضطهاد بقدر ما ينشد الاتحاد بالألوهية. وبهذا فإن القاسم المشترك بين الروايتين السابقتين “كيف تصنع يدا” و”السطر المطلق” ورواية “ممالك تحت الأرض” هو فكرة الصعود. لكن في هذا العمل عن طريق المسلك الروحاني المجرد. ورغم أن الوقائع التاريخية موثّقة بالرجوع إلى مصادرها الأساسية من كتب متخصصة في هذا المجال، فإن الشخصية تبدو مندمجة في مسلكها الروحاني بعيدا عن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية لمصر القديمة التي تنقل “ممالك تحت الأرض” حياة البطل فيها.

ولا يخلو هذا العمل من الإسقاط على الواقع الاجتماعي الحالي للجماعات، فهي تطرح رؤية مفادها أن أي جماعة دينية سرّيّة يمكنها أن تتوصل من خلال انغلاقها عن المجتمع إلى مجتمع سري يعيش “تحت الأرض” ويختار أفراده ومهماتهم بعناية فائقة قد تؤدي إلى ارتكاب الجرائم السريّة تحت غطاء “التأويل الباطني” للرسالة الروحيّة لهذا المسلك، ولا فرق في ذلك بين أي جماعة دينية وأخرى. فأي تجمع ديني سريّ يمكن أن توجد فيه طقوس التضحية والطبقية والأهداف السرّيّة التي قد تتغلغل وتتحول إلى مجموعة إرهابية خطرة على المجتمع أو على الأقل على بعض الأفراد.

 

 رابط الخبر

 

اظهر المزيد