رواية كيف تصنع يدا؟

 

 

مقطع من الرواية

 

كنت أعرف حسين وخالته أيضاً لأن منزلنا كان في أسفل الجبل في سني صباي تلك، وكانوا ينزلون إلينا ويطرقون الأبواب ويتزودون من ثلاجتنا بالثلج، وأذكر أني كنت أكبره ببضع سنوات، ولئن كان الأمر كذلك فإنه ما يزال كما هو طبعا، إذ ليست فروق السن مما يتبدل أو يتحول. وانقطعت عنا أخبارهم بعد أن تم تهريبهم إلى الرياض، ثم انتقلنا بعد ذلك ولم يكتب لنا اللقاء. وبعد أن جرى لحسين ما جرى له، فاطلعت على خباياه وأدركتها، (بحكم أني كاتب الرواية) عنّ لي أن أزور حارتنا القديمة، وأمر بخطواتي على معاهد صباي القديمة، وهناك سألت بعض سكان الحي عن حسين (من باب الاستدراج)، وعن خالته (من باب تقصي الأخبار)، فدلني رجل من ذوي قرابتهم على وصف منزلها بالطائف، وحفظت الوصف جيدا، ورسمته، ودونت رقم الواصف من باب الاحتياط، وانطلقت صاعدا جبال كرا إلى الطائف، ولم يستغرق بحثي المتحوط أكثر من نصف ساعة. وعندما وصلت طرقت الباب، فقالت امرأة عجوز من ورائه: من؟ قلت: عبد الواحد.

منزلنا كان في أسفل الجبل في سني صباي تلك، وكانوا ينزلون إلينا ويطرقون الأبواب ويتزودون من ثلاجتنا بالثلج

قالت: واحد؟ أعلم أنك واحد، لكن قل من أنت، قلت: عبد الواحد يا خالة عبد الوااااحد، جاركم في نزلة الجبل، ألا تذكرينني؟ وجرت بيننا مقاطع حوارية قصيرة عرفتني بعدها، فأزاحت الباب وحيّتني، ثم إنها جرّتني إلى منتصف ساحة بيتها، وكان ابنها -الذي قارب عقده الثالث أن ينتصف- نائماً، أشارت إليه لتعرفني به، كما لو أنها لم تردْ إيقاظه، وكان يتململ في نومه وهي تحدثني عن نفسها، وعن ضعف رجليها، وظهرها المربوط بالحزام، وعينيها اللتين لم تعد ترى إلا بإحداهما، وسألتني عن أبي وأمي، ونادت زوجها فجاء، كان شيخا في الثمانين، لكنه لا يزال محتفظا ببعض قوته، وبرغم الفارق العمري بيني وبين زوجته الستينية، وبرغم خصوصية الحالة التي لا يمكن أن يتطرق الشك إليها، إلا أن ما صنعته معي من التبسط أحرجه، لكنه (وكعادة الأقدمين) ما إن عرف القصة حتى سري عنه، وحياني بحرارة، ذلك أنه لم يكن يعرف حارتنا ولم يتسن له أن يتعرف على عائلتي كما تعرفت هي إليها. وما إن تجاذبنا أطراف الحديث حتى تولدت بيننا علاقة حميدة أشبه بالعائلية، وظللت أمر بهم في الشهور التي تلت ذلك كلما عرضت لي حاجة للنزول إلى الحجاز، فتوثقت صلاتنا وتوالت اتصالاتنا، وعندما توفيت خالة حسين بعد ذلك بعام واحد دعاني إلى جنازتها وأجبت، وحضّرت نفسي للسفر وأنا أسترجع سيرتها المعذبة برحلتها الطويلة من غرب أفريقيا إلى السعودية، حيث ألقت عصا النوى في وادي الطائف في ظل هذا البيت البسيط، وأثناء استعدادي للسفر غلبتني سوداويّتي وأنا أفكر فيما سأقرؤه (إن أتيحت لي القراءة) في مسافة سبعمائة كيلومتر من الطريق، وسحبت من الدولاب كتاب ساباتو: “أبطال وقبور”، ثم ركبت السيارة، وانزلقت الكامري البيضاء من منحدر القدّيّة، صوب الغرب. كان غيظي من مشقة الرحلة، رغم حرصي عليها، يخيل لي أن الشمس تقعي على التلال المقابلة كإقعاء من يبول، وسرعان ما هوى الظلام على كلّ شيء، ووصلت إلى الطائف في طائفة متأخرة من الليل، فاستأجرت غرفة في أحد الفنادق، ولم أستيقظ إلا وقد ارتفعت الشمس، وأخذت أعد العدّة لألحق بالصلاة عليها في جامع الحي كما أُخبرت، وعنّ لي قبل ذلك أن أقصد البيت، ووصلت في عجلة من أمري، كان حوش الدار مليئا بالنساء، واستقبلني ابنها، وصعد بي الدرجات القليلة إلى المجلس، وقدم لي فنجان قهوة أوشكت على البرود، ثم تناهت إلينا أصوات شجار نساء غابت عنّا بدايته، وعلمنا فيما بعد ونحن خارجون لصلاة الجمعة أن سببه اختلاف جاراتها وقريباتها الصاعدات مع ذويهن من مكة، على طريقة غسل الجثّة المتمددة، على السفرة البلاستيكية، في غرفتها.

إن خالة حسين لم تتزوّج بالمعنى المعروف وحسب، وإنما تغدّت في اللحظة المناسبة بعنوسة الأربعينيات قبل أن تتعشّى بها، فاقترنت بهذا الرجل المسن الموتور، الذي كان من عائلة مغمورة، وقُتل أبوه في صغره، ونشأ مهزوما مهزوزا بكربه، فهبط هارباً بحزنه من نجد إلى الطريق متجهاً إلى الطائف، ونفثه مجسّما في ولدٍ وحيد، هو ابن خالة حسين، الذي انتقل بعد دفن والدته إلى الرياض؛ إذ أجبرته وظيفته الأولى على التوطن مجددا في العرصات التي شهدت مقتل جدّه. وذات ليلة، أثناء خروجنا إلى أحد المقاهي لمشاهدة مباراة كبيرة، حدثني بأنه زار الرياض قبل ذلك مع أبيه زيارةً مرضية خاطفة للعلاج، وأثناء تنقلهما في المدينة ركبا سيارة أجرة، وصدف أن جرت بينه وبين السائق محادثة، وعندما تعرف عليه سائق الأجرة، قال له: “عيّنت أبوك يا عيد؟”، فعرف الرجل المسن المريض بأن سائق التاكسي من عشيرة قتلة أبيه. يقول ابن خالة حسين: وردّ عليه أبي: “لا ما عيّنته، كيف أعيّنه وانتم ذبحتوه وانا صغير؟ الله يذبحكم كلكم”. يقول: وهبط أبي من سيارته، ضارباً مؤخرتَها بعصاه البنّيّة، وخرجت ساحبا نفسي في إثره.

لتحميل مسوّدة الرواية اضغط هنا

اظهر المزيد