بين كهفين – مقالة

عبدالواحد الأنصاري

الكهف الأول ضربه أفلاطون مثلاً، واقتبسه جوزيه ساراماغو عنواناً لإحدى رواياته، لكي يعبّر به عن أولئك المنبهرين بصور تظهر لهم على الجدران، وما هي إلا ظلالٌ راقصة لما هو وراء ظهورهم، ظلالٌ لأشياء لا يعرفونها، وإنما هي أوهام وتماثيل تظهر أمامهم في كهفهم الموصد عليهم، وأبصارهم المخطوفة مسمّرة على الحائط، ممسوخين على مكانتهم، لا يستطيعون التفاتاً، ولا يحاولون.

وأراد ساراماغو في روايته بهذا الرمز أن ينتقد الحضارة المادية الحديثة، التي تأخذ الإنسان من حديقته ومن فنّه ومن هدوئه وطمأنينته وقناعته، لتزجّ به في قائمة المصارعين على اقتحام مبنى زجاجي طويل، ينتهي المصارع المنتصر منهم إلى أن يُحبَس فيه، أو إلى أن يَخدم المحتبَسين فيه، حتى يأتيه الأجل، بلا يقين.

أما الكهف الثاني، فهو ذلك الذي لا ريب فيه، ذلك الذي نعرفه جميعاً، الكهف الذي التجأ إليه الفتية الصالحون، هرباً بأنفسهم من طغيان الوثنية ووثنية الطاغية، ليستيقظوا بعد 300 عام، على كفاف، وعلى هناءة وأمان.

إن أفلاطون، وإن كنا على خلاف تضاد معه في تصوره للحقيقية وللحياة والكون، فإننا نستعير منه مثَله المضروب، لندمغ به أولئك الذين استغرقتهم هذه السكرة، حتى لم يعودوا يرون من الحقائق إلا قشورها، ومن البيوت إلا ظهورها. أما الهاربون من كهفه، وأعني أولئك الأبرياء، الذين لا يرون هذه الناطحات ذات العماد، إلا كما يرون الآبار السحيقة العميقة وهي مقلوبة، كما يقول الشاعر الإماراتي إبراهيم محمد إبراهيم، فما عادت لهم قوّة أفلاطون الأدبية، ولا إباؤه ذو الجاذبيّة، ولا ذلك التأثير الخلاّب، فهم قوم لا يعيبون ولا ينتقصون، وإنما هم يستجدون أن يُترَكوا وشأنهم فحسب، وألاّ تنتزعهم هذه الفوضى وهذا الضجيج من كفافهم وسكونهم. وساراماغو، إنما صوّر الحياة العصرية، على أنها احتباس في كهف زجاجي مهول، وعلى أن هذه الألواح الزجاجية الحائلة جديرة بأن يفرّ منها الإنسان والمثقف والفنّان، وأن ينفذ بجلده، لعله ينجو منها بروحه وسريرته، بل وينجو بوجهه من تمدد ظلالها السوداء، التي يوشك أن تلتهم كل وجوه الأرواح، حتى تذرَ وجوه الأجساد من فوقها أقنعةً من الفلّين الأجوف. يقولون: مضى الطيبون، ونقول: دعوا الطيّبين يمضون بأنفسهم، لا تجرّوهم بالسلاسل إلى كهفكم الكبير، ودعوهم لكهوفهم الصغيرة، دعوهم لا يهتمون بأكثر من لقمة عيش، وشربة ماء، ونور مصباح، وهبّة نسيم، وسقف غرفة، وسارية مسجد، وصفحة كتاب، ورشقة حبر، دعوهم يستيقظون باكراً وينامون باكراً، ودعوهم يخففّون عنكم من وطأة النفقة، وعن أنفسهم من أثقال المعيشة وأرتال الزحام وطنين الأجهزة وأقراص الاكتئاب.

لقد تركوا لكم الأرصدة الفلكية، ولقطات التصوير الذاتي، وبرامج التواصل، والشاشات الذكية، والواجهات اللامعة، والأطعمة السريعة، فاتركوهم لصباحاتهم وكتبهم وخلواتهم ومحاريبهم، أو فاتركوها لهم.

لقد دبّت خطى الفتية إلى الكهف، وإني أسمع لها الآن وقعاً لا تكاد تدري به حتى مصيخات النِّمال، وعما قليل سيضطجعون ويستكينون، فحاولوا أن تنسوهم أو أن تتناسوهم، ولو مدة يسيرة، لعل عجلة الزمان تستكمل إحدى دوراتها، فيستيقظوا، ولو بعد حين، في حقبة جديدة، يحلو لها أن تنساكم، كما نسيتم أنتم من قبلَكم.

رابط المقالة

 

اظهر المزيد