الكتب المتراكِمة كجَواري الخلفاء

عبدالواحد الأنصاري

من مكتبتي بُعثتُ، وفقدتُ، واستعدتُ، ونبتت في وجهي نخلة جديدة تسمى: الكتب التي بدأت بقراءتها ولم أكملها. لأنّ الكتب إذا تراكمَت أصبحت كجواري الخلفاء، وحاشاي أنْ أتعامل مع كتابي بهذه الشيئيّة.

قبل نحو من خمس وعشرين سنة قرأتُ كتاب النبيّ لجبران، وهبطَ عليّ أمل دنقل ذات صيف قلِقٍ، بعد صفحات عسيرة من المراهقة الجريئة، في أودية الحائر.

وعلى حينِ غرّة، كنت أقف في مكتبة الزهراء، وقد دلني عليها صديق تفصلني عنه الآن عشرون سنة، يدعى: محمد الزبن، ومن هناك التقطتُ أو التقطتني اعترافات الرومانسي جان جاك روسو.

وفي تلك البقعة التقى جبران بروسو، وأطلّ إدغار آلان بو من كتاب مصريّ غريب، فأعادني إلى تفاصيل أقدم، وإلى ماضٍ أشدّ تقلّبا، عندما كنّا نتلقّى سياطَ مدرّس القرآن في جامع الشيخ الفريّان.

كنتُ أحتبس في جيبي الترجمة الكاملة، أيامها، لرواية الحرب والسلام لتولستوي. وكنت في حيرة من أمري، لا أعي مغزى تلك المشاهد الاجتماعية، ولا أدري كيف استطاع كاتبٌ أن يكون بطل قومِه وهو يهزأ بالقيصر ويباهي بفراهة الغازي ونزاهته؟

خمسون رواية أو تزيد لنجيب محفوظ، قرأتها حرفاً حرفاً، بعضها فقد أغلفته على يديّ، حذراً من سطوة أسرتي المحافظة، وبعضه قرأته في دورة المياه، وأنا أقاسي آلام قولوني المبكّرة، وبعد ذلك كان حمقي يجعلني أتخلّص من كل ما أقرأه فلا أعير اختزانه همّا ولا هم يحزنون.

وفقدت روايتين لستيفان زفايج، وكل روايات محفوظ إلا ما ندرَ، ثم عوّضت عنها فيما بعد بهدية من صديقي الكريم بدر العنزي.

وفقدتُ سِفر البؤساء، وديوان المتنبّي، وحديث الأربعاء لطه حسين، إلا مجلّداً واحداً، ثم توافرت لي واحدة من أقدم طبعات البرقوقي على المتنبي.

وذات يوم فوجئت بي -في حمق لا نظير له- أهدي مذكرات الطنطاوي إلى أحد أساتذتي. ستقولون شيخي؟ ومن ذا الذي يتخلى عن كتاب كهذا لأحد إلا مجنون مثلي.

لقد انتقلتُ مرّات ومرات من مسكن إلى غيره، ولا أذكر الآن كيف كان شكل مكتبتي في البدء! لكنني أتذكر أنني عندما رتّبتها تخيلتُ أنها شجرة أرز كتلك الماثلة في منتصف علم لبنان

في إحدى المرات ظننتُ ظنّاً أنّ أحلام قراءاتي ستغادر، وكنت أيامها أصبّح بعض الدروس، أحمل موطّأ الإمام مالك، وكتاب الروض المربع، وتدريب الراوي للسيوطي، وأحتضن العقد الفريد، وعند الضحى أقرأ منظومة صرفيّة على أحد الأفاضل.

فتحت لي مجموعات نجيب محفوظ أفق القصّة، وعرفت كتباً عربية معاصرة جداً وكانت هذه بداية حلقة جديدة لتكوّن جزءاً عظيماً من مكتبتي الحاليّة.

قرأت رواية التبر لإبراهيم الكوني في ملحق صحيفة الرياض الرائع (كتاب في جريدة)، ولم أكن قبلها أعرف من الكوني، ذلك قبل بضعة عشر عاماً فقط، ثم استهوتني كتابات الصحراء المغاربيّة بعد ذلك، فوقعت على نصّ لموسى ولد ابنو، بعنوان: مدينة الرياح، وهو نصّ لا يقل فراهة عن نصوص الكوني، بل إنه يضارعها.

في هذه الأعمال تظهر أطياف أجدادي، يصول ويجوس البطل الطارقيّ في الصحراء المتاخمة للحدود الجزائريّة، تلك التي تربطني بها أمراس من كتّان، تلك التي تجعلك القراءة عنها أو زيارتها تعود إلى ما كان هنا قبل مائة عام.

لقد أكرمتني مدينة الرياض ثلاثاً: إذ وُلدتُ في حيّ العريجاء قبلَ تسع وثلاثين سنة، فأحبني أهلها، واحتواني أدباؤها، وتبنّاني كرامها وأوتاد نجد وفضلاؤها، ومنهم أخي وصديقي محب الثقافة والأدب ومُواسي لحظات العزلة القاتلة: سالم الشمري.

وكذلك، أكرمتني صحيفة الرياض مرّتين، بل ثلاثاً: إحداها حين كان ينشر لي الأساتذة في الصفحة الثقافية كل ما أرسله إليهم، ولم يدفعوني عن رحابهم على رغم صباي وصغر سني، ومرّة حين كانت تصدر ملاحق “كتاب في جريدة”، وثالثة حين وصلتني عشرات الإهداءات من نسخ كتاب الرياض، وأحب هنا أن أوصي بكتابين مهمّين جداً منها: القصة والدلالة الفكرية لحنا مينه، والبقع الأرجوانية لحسن حميد.

هذه كتب لنجيب محفوظ عبرتُ بها إلى الرياض، منها القاهرة الجديدة، وفوضى الحواسّ لأحلام مستغانمي، وشموس الغجر والومض وحكايا النورس المهاجر، وهذه الثلاثة الأخيرة لحيدر حيدر، انعطافا إلى مجموعة قتلت عمتي ليوسف إدريس، وأخذا في الاعتبار برواية نادرة لوليام شتاينبيك، وهذه كلها محفوظة محوطة بالعناية في مكتبتي المبعثرة، غير بعيدة عن متناول اليد.

وأما كتاب رواية يوليسيس لجيمس جويس، الذي يعدّ معلّقة الرواية في القرن العشرين، فها قد حصلت على جميع أجزائه بعدما أتى به أحد أحبائي من بغداد.

من حين إلى حينٍ تعاودني ذكرى دكتور جيفاجو، التي كانَ المقدمَ لها طه حسين، وشارك في ترجمتها يحيى حقي صاحب قنديل أم هاشم.

وتلكَ ملحمةٌ ثبّتت قدم الروس في الأدب العالمي عقدين آخرين، بتوقيع الرائع بوريس باسترناك، ليأتيَ بعده سولجنتسين مثبتاً أنْ لا فكاكَ للهويّة العالميّة من بصمة الروس، ويبقى التأريخ مفتوحا، والشروق متوقّعاً كل صباح من متّجهه.

وقبلها كنتُ متحوصلا في قنينة من العطر الرومانسي، من جين إير لشارلوت برونتي إلى رواية أختها إميلي برونتي مرتفعات وذرينج، إلى رياح الشرق ورياح الغرب لبيرل باك إلى الأرض الطيبة للمؤلفة ذاتها، تتقاذفني أيادٍ لا طاقة لي بالإفلات منها.

وجاء النصّ الممهور بآهات الدنيا: أعني آلام فرتير ليوهان غوته.

 

وتلك كانت مرحلة مرهِقة، مشحونة بالبطالة، مرصودة بتوجّس الأقارب، لا يحفظ لي توازني معها غير إطلالات بين الفينة والفينة في ديوان المتنبّي وأبي نواس وأحمد شوقي والبارودي، وعلى قليل لا يروي الظمأ من نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقّريّ التلمسانيّ، وكنت ما أزال بعيدا كل البعد عن كتب النظرية وأدب الواقعية، حتى وقعت في براثن الرائع جوستاف فلوبير، عبر غاشية غشيتني مع روايته مدام بوفاري.

لكنّ ما يليق بالفرحِ هو أن المجموعة الأخيرة ما كانتْ لتفلتَ مني إلى يدٍ أو ضياع حتى هذه اللحظة، والله أعلم بما سيأتي به الغيب!

ماذا عن وحي القلم، عن الرافعيّ والعقّاد وطه حسين؟ وماذا عن موسوعة الفقه الحنبلي، وفرائد الأدب العربي، وماذا عن غير ذلك؟

لقد انتقلتُ مرّات ومرات من مسكن إلى غيره، ولا أذكر الآن كيف كان شكل مكتبتي في البدء! لكنني أتذكر أنني عندما رتّبتها تخيلتُ أنها شجرة أرز كتلك الماثلة في منتصف علم لبنان، وتخيّلت ما سيكون حولها من أعشاب حولية، وما سيتمسح بها من طفيليّات، وتخيّلت جذعها الأسمر الريّان الذي يمتشق نفسه متكبرا، وقاعدة هذا الجذع العريضة تتمثّل كتب التراث وإعجاز التنزيل، وفي فراىد ابي فهر، وفي أعمال نجيب محفوظ، وماركيز، وكونديرا، وبلزاك، وإميل زولا. وهي الآن لا تزال في الزاوية الجنوبية الغربية من الغرفة. تحف بها إلى الجانب تلك الأعمال التي شدّتني إليها الزوّادة التي لم أكن أتوقّع أنّها ستكون بهذا البهاء: زوادة “كتاب في جريدة”.

من هذا المنبع تسقّطْت ألذّ ثمار الأدب العربيّ، من قنديل أم هاشم ليحيى حقّي، إلى التبر لإبراهيم الكوني، إلى عرس الزين للطيب صالح، إلى أصداء السيرة الذاتية لنجيب محفوظ، وكذلك كتاب تفاح المجانين ليحيى يخلف، ويعاد الأولى والثانية، والخاطئة لغالب هلسا، ورائعة رجال تحت الشمس لغسّان كنفاني، يا إلهي، كم كانت هذه الرواية شيّقة وأليمّة ومشحونة بديالوجات الذكرى وأفكار اللحظة اللعينة! ولا أنسى مدينة الرياح لموسى ولد ابنو التي أيقظت فيّ عروقا ميّتة، وسبحان من يحيي العظام وهي رميم.

وفي رفّ بعينِه وضعت كتاباتنا نحن المحلييّن وحدها، فهناك القارورة للمحيميد والكائن المؤجل للعتيق مع مجموعتيه الرائعتين أظافر صغير وناعمة، وإذعان صغير، وثمة نباح لخال ومجموعته القصصية الجيّدة (ليس هنالك ما يبهج)، والفردوس اليباب للجهنيّة، والخاتم لرجاء عالم، وثلاثية المزيني، ووادي إبراهيم لأخي صلاح. لكنني وضعتُ هذه الأعمال قبل بقية الروايات المحلية التي أقتنيها الآن، وبعضها قرأتها لأعرف أصحابها أو بعد أن جلست على موائدهم.

في مرحلة دكتور جيفاجو كنت أقرأ الرواية في شهر ديسمبر، على ما أذكر، وكنت أقرّب المدفأة في زمن شتاءٍ يلوّح الجنب! أقرأ وأنام، وأنام وأقرأ، وأذهب إلى الصلاة لأعود فأقرأ، هذا النص قرأته مرّة ثانية، وتفتّق عن رؤية لي في الحياة صغتها في مقالة ما زالت تعشش في ذاكرتي، إذْ إن القراءة قديمة في نظري كقدمِ العالم!

رواية الأسود والأحمر، للفرنسي ستندال، هذا الروائيّ قرأت له صومعة فارما، لكنني أودعتها أحد الأرفف واختفتْ!

ومن قبل: قرأت اعترافات جان جاك روسو وأنا أصطحب أحد أقاربي الأعزاء في مرض حياته الأخير! كان بين الصحو والمنام يستيقظ ليقول لي: اقرأ ما يفيدك يا أخي، وكان ابن سبع وثلاثين سنة، قارئا نهما للأدب، كان بين الصحو والمنام والألم وكنت أتنقل بين مقاطع من روسو على مقربة منه، وأذكر أنّ الغرفة كانت شديدة البرودة مراعاة لمرضى القلب، لكنه كان مشلولا ومريضا أيضا! وتؤلمه عظامه! وهذه الثلاث متراكمة عليه! فأنا الآن كلما تصفحت اعترافات جان روسو يحضرني فيها ذلك الطعم!

ويحضرني في رواية الغريب لألبير كامو شكل بيتي القديم: بساط رصاصيّ سلبيّ وغرف متجاورة، ومكيف صحراويّ ناتئ من الجدار!

المجلات الأدبية تلقّن السرد تلقينا، وتحوّله حتى في قلب المتطرف إلى عقيدة إبداعية أشد تطرفا، كمجلة العربيّ الكويتيّة، تلك التي سقتني حتى ثملت بقصص للنيجيري سوينكا، ولا أنسى إلى الآن قصة الكلب الذي يأكل الغائط، وقصة أخرى لخيري شلبي، وقصصا لإنجليزيين وعربٍ، وقصة لسوري اسمها عصا اللافتة، لكن تلك فلاشات سريعة عابرة، بعضها ما زال مركوما في زاوية من مكتبتي المبعثرة في الملحق الذي تموت فيه العصافير إذا تركته مفتوحا! تقول الخرافات إنّه مكان دُفن به كافرٌ مشرك! ولذلك تموت العصافير إذا هوتْ عليه! لماذا؟ لأنّ رقّتها لا تحتمل سماع عذاب القبر، هذا وأنا أمرّ وألقي بالأضابير على الأضابير، وبالكتب على الكتب، وأمضي ولا أشعر!

لا أنسى أيضا مجلّة النوافذ التي كانت تترجم الآداب والقراءات النقدية وتصدر من جدّة، ففيها من المعينِ ما يروي غلّة الصادي، ويأتيك بعطر الفل والكادي.

وفي طرف من المكتبة تجد جزءا من كتاب الموافقات في أصول الفقه للشاطبي، وجزءا من كتاب الاعتصام ورسائل القصيمي الراشدة! (هذا لكيْ أثبتَ لك أنك قد تصبح مثقفاً وموحّداً أيضا)!

لي قصّة غريبة طارئة: أصبحت مكتبتي تنقسم إلى أقسام بحسب القراءة: فالكتب التي لم أقرأها قطّ لا تقلقني، لأنه لا يعوقني عنها إلا كتب أخرى أقرؤها، فلا يكاد يمر بي أسبوع دون أن أقرأ فيه كمّاً من الورق إلا أن أكون مشغولا فيه بمكتبتي الصوتية أو المرئيّة.

وأقسام المكتبة تجري على هذا التقسيم:

كتب لم أقرأها على أمل أن أتفرغ لها وأنا مشغول عنها حقا بالقراءة.

وكتب قرأت بعضا منها وعجزت عن الإكمال هيبةً من أن أقرأها قراءة عابرة! وهذه كتب كلها ثقيلة ومرعبة، وتستحقّ انقطاع أسبوع كامل لها، مثلما كنت أصنع أيام الرومانسيّة مع جين إير وأنا وحيد البيت في الحائر جنوب الرياض، حيث لا يحدني إلا مصنع الماء الذي يشرف على أودية الجنوب

القائمة الثالثة وهي السعيدة: هي تلك الكتب اللذيذة التي أتممت قراءتها وهضمتها، وتلك التي تستحقّ أن أذكرها، ولكن تعدادها يطول ويقصر دونه ليل هذا الصيف ذي الضلع الأعوج، وقد تحدثت كثيرا ليس فيه من عمر كتبي إلا قليلٌ، لكن الخيرة فيما اختاره الله، ولعل في ما جرى على اللسان خيرا، ولو جئتموني ببيتي الذي على ناصية الوادي لوسعني أن أحكيَ، ولوسع الكلمة أن تتمدّد، فعلى البساط ذي المربّعات القديمة المتهالكة، والمقاعد السوداء المنتظرة، وعلى السيراميك المغبر، تناثرت كتب وأسفار، جمعتها من مشاوير وأسفار، وقليل منها ما أتاني خالي البال بلا مجهود يستحقّه، والحمد لله بدءا وختاما، والعمر رحلة يمكن حسابها بعدد ما قرأتم من الكتب، ولكن كثيرا من الناس لا يعلمون.

شكراً مدينة الرياض، شكرا لكرام نجد، شكراً لكم جميعاً.

اظهر المزيد