مع غابيتو في أراجيح “عشت لأروي”

عبدالواحد الأنصاري

 

بدءاً مع كارلوس فوينتس وألفارو موتيس

 

قرأت مقال كارلوس فوينتس عن مذكرات ماركيز التي صدرها بالعنوان الموفق (عشت لأروي)، وطويت المقالة على جنبٍ، وأسررت في نفسي أن أفرغ من قراءة المذكرات قبل أي شيء آخر، ولا أدري لماذا كنت أحمل في نفسي اعتقاداً بأن المقال كان لألفارو موتيس وليس لكارلوس فوينتس، وكثيراً ما حملت ظنونا مريضة مزورة من هذا القبيل عن أشياء وأشخاص وأصوات وإيقاعات، ربما لان ألفارو موتيس تم تخليده في شهادة فوينتس نفسه، وفي أعمال ماركيز، بأن أهدى إليه واحدة من أعظم رواياته (الجنرال في متاهة) وربما لأن الفارو موتيس كان طوق النجاة (إيفجراف جيفاجو) بالنسبة إلى غابرييل ماركيز أو (بالعربية) أباً خفياً لماركيز في عثراته المتعاقبة حتى أهداه طوق النجاة الأخير، أما فوينتس فلم يكن غير صديق، وإن كان صديقا من الرتبة الأولى، وربما لأنه يُقدر للأشياء التي يتم تحويرها من طريق الخيال أن تكون أجمل، كما توهم صديق لنا أن كازنتزاكيس كان يكره الترك المحتلين ولا يحمل كراهية للإسلام ديناً، ليحتفظ بجمال وتجلي الذكرى الساحرة التي خلفتها فيه مذكرات كازنتزاكس المذهلة والفريدة “تقرير لغريكو.

 

الكتاب

 

(عشت لأروي) مذكرات كُتبت كما تُكتب رواية، استعاد فيها ماركيز نفسه روائياً بكتابتها أكثر مما استعاد سيرته بتذكر ماضيه، وأكثر ما أعتقد أنه يلفت النظر فيها أن غابرييل كان يهتم بدقائق التفاصيل كما يمكن أن نفترض في الحنين إلى الماضي أن يَصدُق، ولكنه لم يُعنَ بإتمام أيٍّ من التفاصيل التي بدأها، واعتمد على أن التقلبَ معه في أراجيحه، ووشوشاته تجردنا من ذواتنا، مذهلٌ، ومثمر حقاً، على  رغم أنه لا يُتم حديثا بدأه أبداً؛  فقد أغلقَ ذاته على الأحداث الحميمية كوقائع زواجه برفيقة دربه ميرثيدس، وكإغفاله الحديث عن العمر الذي استغرقه نفيه الاختياري إلى أوربا من حياته.

لم تكن مذكرات ماركيز تعتمد على تسلسل الحدث كمذكرات كازنتزاكيس، او كاعترافات جان جاك روسو، وإنما كانت مشدودة بحبل طويل بين حادثتين لم يتمم الحديث عن أي منهما:

 

الأولى

 

بدأ الكتاب حينما جاءت ماركيز أمه في مكتبة المدينة ليساعدها على بيع بيت الجد في آراكاتاكا، وهي الزيارة المنطوية على كثير من المكايدات المبيَّتة، خلال مشوار السفينة الرهيب، وقطع القطار آثار شركة الموز الدامية، لتقنع الأم ابنها غابرييل بإتمام دراسة الحقوق، لكنه قرر باستماتة أن يكون كاتبا وألاّ يتم دراسته، شرطَ أمر واحد: ألاّ يسبب ذلك موت ابيه كمداً.

هكذا، ومنذ اللحظة الأولى تهبط بنا آفاق الرؤية الماضوية لماركيز، لتعود بنا في مشوار آخر الى واقعيته الغريبة، ليهمس في آذاننا بهدوء، لكن بإيمان لا يُضاهَى، بأن واقعيته لم تكن سوى حياته، وحياته لم تكن سوى واقعيته.

ذكرى مشوار محاولة بيع بيت الأسرة توالت كافتتاحيات “فلاش باك” لعدة فصول، في بدايات استرجاع الذكريات، والبيت لم يتم بيعُه، ولم يفصح ماركيز عما آل اليه شأن ذلك المنطلق الأول لكاتب تتقاسمه قسوة لقمة العيش مع هاجسه الإبداعي، والمنتهى الاخير لأسرة كبيرة ذات أمجاد ذاوية انتهت على أعتاب ذاك البيت، ويا ترى، يا ترى، هل هي مقاطع غرائبية من روايته الأولى (رواية البيت التي لم تنشر قط)، وهل يحق لنا أن نقول إنه أنعش بها ذاكرته الماضوية، وراض بها القلم ريثما يجري الريقُ في مجراه؟ أخذاً بحكمة أنك ما إن تستغرق في الرقص حتى تنسى التفكير في أدائه؟ لقد أشار ماركيز إلى شيء من هذا القبيل في الجزء الثاني من الكتاب.

 

الثانية

 

انتهى الكتاب نهاية مدوية عندما تلقى غابيتو بعد الشهر الأول من وجوده في أوربّا من مرثيدس جواب الرسالة المبهم الذي لم يبح بما يتضمنه، ولكنه باح برسالته التي أرسلها إلى مرثيدس: “إن لم أتلقّ جوابا على رسالتي إليك فسأبقى في أوربّا إلى الأبد.

اكتفى ماركيز بالإشارة الطفيفة عرضا إلى علاقته بمرثيدس عبر أربعة مقاطع قصيرة عندما رآها لأول مرة ووافقت على الرقص معه، وبعدها التقته مصطحبة صبيا مازحة مزاحا كاذباً: “انه ابني” وكأنها تذكره بعرضه الزواج منها، ثم خطته التي لم تحظ بالتنفيذ بأن يخطفها من مدرستها التي كانت رهينة فيها، وأخيراً عندما وقفَت في ثوبها الاخضر بشعرها الحريري الذي يشبه تكوين عصفور مبهم، وغابرييل لا يدري: أوقفَت من أجله أم لا؟ قبل رحيله إلى أوربّا.

 

شيكسبير الواقعية الغريبة وكولمبيا

 

كان ماركيز عظيما في فنه، وبمفردات هذا الفن توغل في استذكار حياته، وكانت إنسانيته المتدفقة والآثار التي خلفتها فيه بضع عشرة حربا أهلية، وألف أزمة تكفي أي واحدة منها لبلبلة نفس حساسة، كل هذه شحذت فيه رؤيته التي انبثقت عن الواقع الغريب الأليم السحري، ليستطيع تصوير “كولمبيا لا يمكن لإنسان أن يتصور أن العيش فيها ممكن” هذه رسالته التي استطعت استقاءها من فنه وأكدها هذا الكتاب السيري (أي: عشت لاروي) فقد سخّر كل طاقاته في زخ إشعاعات غرائبية في نكبات اسرته خصوصاً، ممزوجةً بتفاصيل الواقع المزري للشارع والقرية والبيت والمناخ، الذي يبدأ بقتل الصبر أولاً، ثم البيئة الكولمبية كلها، ولم يخرج عن هذا الإيقاع البالغ الخصوصية إلا في النادر الذي لا يكاد يُلحظ.

 

الأب يتوارى او يكاد في حضور الجد

 

فيما يقارب ثلثي السفر الاول من الكتاب تعلق ماركيز بسيرة جده لأمه (ماركيز) الذي استمسك بالتلقب باسمه عوضا عن لقب أبيه الذي لم يترك له مساحة إلا الاسم الأوسط، هذا التعلق بسيرة الجد اقتطع جزءا غير يسير من كتابه، ذلك أنه لم ير في حياة أبيه صورة ملحمية، وكان تذكره لحياة جده لأمه التي لم يعش معه إلا  أقلها هو لحنَه الذي يحن به إلى المجد المفقود لأسرة أصبحت كادحة، في حين كان يعتبر بنوته لأبيه وحدها ظله الذي يجعله يعود إلى ذكرياتهما أحياناً، وربما لو لم يكن لأمه تلك الوصلة التي ترفعها إلى رجل مثل ابيها جده الماركيز لما كان لها كل ذلك الزخم المعشي للأبصار، ولما أحيطت شهاداته عليها بهالة من الكرامات السحرية التي ظلت تنز منها.

 

ماركيز يؤرخ لنفسه صحافيا

 

تاريخ مسيرة ماركيز صحافيا لا يقل إبهاراً عن تاريخه روائيا، بل إن تتويجه أديبَ رواية كان تتويجا منقوصا، كما تشي بذلك إشاراته الملحّة إلى ماضيه الصحافي؛ فالصحافة في نظره هي المسرة العليا (أفضل مهنة في العالم) وشهد بأن الجوائز العالمية حتى نوبل ليست سوى مسرحيات اجتماعية حافلة بإيماءات أكاديمية معتمدة لإشهار بعض الشخصيات المغمورة اجتماعيا، اللهم الا فيما ندر، وعليه فماركيز يحمل في جعبته أسفاً مضمرا لأن الرواية هي التي قدمته للعالم حتى كصحافي، وهي المهنة التي عندما تحدث عن مزاولته إياها حرص على أن تكون شهاداته فيها على نفسه شهادات مشرفة، وحرص على أن يؤرخ أنه كان صحافيا فذّا ونموذجيا وذائع الصيت، وهذا أمر مغاير تماما لشهاداته على رواياته؛ فقد جاءت باهتة وحافلة بالتشكيك في عظمة الأعمال، العظيمة وهو السلوك الذي يبدأ يسيطر على العظماء عندما يصبح ذيوع صيتهم مألوفا جدا لهم.

وقد كان هذا الشعور مسيطرا على غابيتو، وحوّل الثلث الاخير من مذكراته إلى توثيق انتصاراته الصحفية، وقد فعل ذلك بمنتهى التوازن والتواضع في الوقت نفسه، كإنسان يتحدث بنعمة إلهيّة.

لم تكن مذكرات ماركيز تعتمد على تسلسل الحدث كمذكرات كازنتزاكيس، او كاعترافات جان جاك روسو، وإنما كانت مشدودة بحبل طويل بين حادثتين لم يتمم الحديث عن أي منهما

ولعل سبب هذا الإصرار هو أن أسلوب ماركيز السردي في كتابة الريبورتاج الصحافي لم يكن مغايرا لأسلوب الرواية جداً الا في قليل من المكونات، وقد قرأت له سلسلته الصحافية المشهورة والذائعة الصيت (قصة بحار فقد سفيته) وهي حكاية مأساة غرق سفينة نجا أحد بحارتها بعد عشرة أيام من التيه في البحر بلا زاد، وكان اللقاء الصحافي محكيا بلسان المتكلم، ومن يقرأ هذا اللقاء الصحافي لا يستطيع أن يميز فوارق كبيرة بينه وبين روايات ماركيز، بل إنه يجد فيه ظلالا منعكسة انعكاسا حادا عن رواية العجوز والبحر، في نقاط عديدة كالقتال حتى تكسر المجاديف وإلى آخر رمق مع أسماك القرش على سمكة اصطادها البحار، وكان ترتيب ماركيز للفلاش باك في هذا اللقاء الصحافي متطابقا تطابقا مذهلا مع ترتيبه للفلاشات في أعماله القصصية، ناهيك عن أن اسلوب ماركيز الروائي لم يتزحزح مقدار أنملة في أحد أجمل أعمال ماركيز الصحافية (لم تجر الإشارة إليه في المذكرات) هو: مهمة سرية في التشيلي، وهي قصة المخرج الاخباري التشيلي الذي عاد إلى بلده بعد عشرة أعوام من النفي ليسجل برنامجا تلفزيونيا طويلا عن الدكتاتورية في بلاده.

إن ماركيز إنسان شفاف لا يستطيع أن يتخلى عن شيء من تاريخ عنفوانه الأدبي تبعا لتصنيفات الشهرة، بل إنه تخلى عن تأريخ أي من الأحداث التي شهدت اقتطافه ثمار مشواره الإبداعي من خلال الإشادات والجوائز التي لا تُحصى، واكتفى بتأريخ بدايات نجاحه الروائي عبر رواية “ساعة النحس” ومجموعته القصصية المعنونة بـ”بعد السبت”، وهو يعي تماما وإن لم يصرح أنه متفرّد الأسلوب في جميع نصوصه التي لا يفرق بينها إلا الفرق بين الواقع والخيال، وكلها مشحونة ببصمته وحتى مذكراته ليست إلا كأي رواية من رواياته، وهو شخصية رافضة كل الرفض لأي نوع من أنواع التباهي السافر أو الموارب، معترف بالجميل لكل شخص تناول معه شرابا أو أجرى معه محادثة، وقد ذاق مشقة تذكّر أسماء أطفال ومراهقين وأماكن لا حضور لها في ضمير أي متذكر مفترَض، ولم يكن لها أن تكون ذا بال إلا في واقعية غريبة صادقة كواقعيته، من خلالها يرى حياته، وبها ينعكس الضوء عن الأشياء إلى عينيه، فلا يمكن أن تكون تجربته الصحافية في نظره أقل قدرا من أي تجربة كتابية خاضها، وهي تعبق بالرائحة نفسها.

وإذا ما نشرنا الأوراق المبتلة المتلاصقة وتركناها لتجف في الشمس وتتفاصل، فإن القيمة الكبرى لأدب ماركيز تتمحور في أفقه السردي، وفي نظرته البالغة الخصوصية إلى تراكمات الأشياء الغريبة المنسية، لتتكون منها حيوات ملحمية هي غاية البساطة في تلاؤمها، وإنه لم يكن تأثيره محدودا في ادارة الحوارات بين الشخصيات إلا لأن عالمه المرئي والمسموع كان عالم أشياء، وكان أوصافا غريبة تتكون منها ملاحم خالدة أكثر من أي تقنيات قص أخرى، ولأن جميع نصوصه النثرية حافلة بعبق هذه الرائحة التي يختص بها، لذلك لم يتخل عن أن يجرّ معه تجاربه النثرية ليخلدها في روايته مذكراته الأخيرة التي استخدم فيها عنوانه الحاد الذكاء، الذي يشي بتواطئه مع هذا المعنى عشت لأروي.

 

شهادات كارلوس فوينتس: نور على نور

 

المميز في شهادات كارلوس فوينتس على ماركيز ليس جمال روح الصداقة والألفة الأخوية، فأكثر من ذلك وحدة القدرة على الاستمرار في جعل الأدب هو العلكة والسيجارة والكعكة.

خرج لنا فوينتس بذكريات خاصة بالكاتب العالمي ماركيز ومرر أيدينا على جزء من الفرو لم تمسسه من قبل، من خلال مذكرات ماركيز، وأجمل من ذلك انه أخرج لنا من معطف ماركيز عصافير حية ومتألقة، لنزداد اطمئنانا إليها، ونزداد بمعرفتها نورا على نور، وقبل حين من الزمان كما يعلم كثير من أصدقاء الحرف، لم اكن أعرف عن ميلان كونديرا ما يكفي، بل كنت شديد التردد في الإقدام على قراءة روايتيه السياسيتين (الحياة في مكان آخر، والمزحة)، وتجربة خروج الأدباء من معاطف أدباء آخرين هي تجربة لا يستهان بها، وهي خالدة أبد الدنيا، وربما خرج ماركيز من معطف كونديرا إلى قارئ يعرف الأخير أكثر من معرفته لماركيز وبورخيس ونيرودا، كما خرج لنا باسترناك من معطف طه حسين، وطاغور من معطف قطب في كتاب النقد الأدبي، والأجمل من ذلك خروج إميل زولا إلينا من قميص الدكتور محمد غنيمي هلال، في كتاب النقد الادبي الحديث، وقبل ذلك خرج إلينا أفلاطون من معاطف تجاربنا مع أبجديات تاريخ الأدب الأولى.

 

الختام عودة إلى جزئية من مقال كارلوس فوينتس

 

وجميل أن تُسجَّل شهادات لتضامن الساسة مع الأدباء المبدعين كقصة السفير والرئيس اللذين انشغلا عن التحاور في علاقات بلديهما بالتذاكر الأدبي، وكما قرظ فيدل كاسترو مذكرات ماركيز،  وكما ورد في مقال فوينتس عن علاقة الرئيس الفرنسي ميترا بالأدب والادباء، إلا أنني لا أدري أكان ماركيز وكونديرا قد اطلعا على تاريخ ميتران الدموي في الجزائر في زمن الاستعمار الأسود لبلد المليون شهيد؟ أم لا؟ ولا أدري أكان الاديبان الشهيران يحتفيان بصداقة ميترا في حين أنهما هما يتوجعان سطرا في إثر سطر في رواية “المزحة”، وفي “خريف البطريق”، وفي “الحياة في مكان آخر”، وفي “عشت لأروي” من ممارسات الديكتاتوريات الداخلية في بلديهما؟! ماذا عن القمع الدموي الذي يمارسه المحتل في بلد بريء، ثم يعود بعده أحد جزاري هذه المأساة ليكون جزءاً من تاريخ المجد الإنساني لعظيمين خلدت مواقفهما والإبداعية مآثرهما كما حدث مع ماركيز في موقفه من قضية فلسطين؟ أم أن مثل هذه الأسئلة تعد أسئلة نوعية مشحونة بعقدة الاضطهاد ولا يحق لنا تكدير خواطر عظماء الأدب بها؟

 

رابط المقالة

 

اظهر المزيد