حكايتي مع الضفادع السماوية

عبدالواحد الأنصاري

ليس الموضوع جديداً، ولكنه فاجأني للمرة الأولى، وذكرني بقوله تعالى: (فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) الأعراف 133.
كان ذلك قبل بضعة عشر عاماً، عندما شاهدت في فيلم سينمائي اسمه (ماغنوليا) هطول مطر من الضفادع، وكان مشهداً غريباً، حتى إنني ربما حدثت نفسي بأنني بعد هذا المشهد السينمائي قد رويت غليلي من المشاهد الخيالية.
يمكنكم مشاهدة هذا المشهد على هذا الرابط، وأعتذر من الخلل في وضوح المقطع.
بعد ذلك، كتبت قصة مشاكسة لبعض الأصدقاء في موقع (جسد الثقافة) بعنوان: (طأطأ وريكا وكاظم بك)، وهي قصة ساخرة جداً، ساعدني في كتابتها صديق عزيز، رفض أن يبوح باسمه أو أبوح به أنا، فهي قصة بقلم كاتبين في الحقيقة (العنوان هو الآخر مأخوذ من فيلم مصري، غير أنه لا يوجد أي تقاطع بين الموضوعين، كما أنني لم أشاهد الفيلم المصري من أصله).
وهذه القصة، التي أشرت فيها إلى هذه الضفادع السماوية، سببها أن المنتدى الجميل أجريت فيه مسابقة، وكان من المستغرب في ذلك التاريخ أن يُطالب بأرقام هواتف المتسابقين جميعاً، فكانت هذه القصة، التي كان من نتائجها أيضاً حذف معرّفي المستعار (أبووفاء) من (موقع الجسد)، مع الإبقاء على اسمي الصريح فيه، على يد أحد أصدقائي أيضاً، وهو بدوره حذف نفسه من المنتديات تقريباً (لأنه هجرها وذهب إلى أمريكا).


والقصة على كل حال موجودة على هذا الرابط. كما أنه أتيح لها أن تُنشر مرتين ربّما، اتذكر واحدة منهما على الأقل، في مجلة (الآطام).
ومع ذلك فإن كل هذه الأحداث الطريفة ليست ذات بال في هذا الذي أكتبه الآن، إذ إنني استعدت مودات معظم أصدقائي الذين لم يرحلوا أو يموتوا في ذلك الحين، وجميعنا نتذكر ما جرى آنذاك بقدر كبير من الشوق والحنين.
لم أكن أتصوّر أن مشهد سقوط الضفادع من السماء يمكن له أن يكون حادثة حقيقة، ولا أنه قد يكون مدوّناً في كتب الأدب العربي القديم، اللهم إلا بعد العملية الأولى التي أجريتُها قبل أسابيع لاستخراج حصوة من حالبي الأيسر، تحت التخدير الكامل، وبينما كنت أنتظر أسبوعاً آخر لكي أجري عملية أخرى لاستخراج الدعامة من الحالب، وقع بصري على كلام وحاشية في كتاب الحيوان للجاحظ، أثناء استغراقي في قراءة مقدمات كتب الجاحظ، ووقعت على هذ النص الذي سأصوره إن شاء الله لكم:
قال الجاحظ المتوفى عام 255هـ، والعنوان للمحقق عبدالسلام هارون:
(مطر الضفادع والشبابيط
وزعم حريث أنه كان بأيذج، فإذا سحابة [دهماء] طخياء تكاد تمس الأرض، وتكاد تمس قمم رؤوسهم، وأنهم سمعوا فيها كأصوات المجانيق، وكهدير الفحول في الأشوال؛ ثم إنها دفعت بأشد مطر رُئي أو سُمع به، حتى استسلموا للغرق؛ ثم اندفعت بالضفادع العظام، ثم اندفعت بالشبابيط السِّمان الخِدال، فطبخوا واشتووا، وملّحوا وادّخروا).
انتهى كلام الجاحظ من صفحة 149 و150 من المجلد الأول الكتاب.
ثم جاء عبدالسلام هارون وكتب في صفحة 427 في استدراكاته ما يأتي:
مطر الضفادع. تصديقاً لما أورده الجاحظ منذ أكثر من ألف سنة. عثرت في صحيفة (الأخبار) العدد 2189، بتاريخ الأربعاء 9 من محرم سنة 1379، و5 من يولية سنة 1959 ما نصه:
“دهش السكان في ضواحي أنقرة عندما تساقطت عليهم الضفادع خلال نزول المطر. فسر أخصائيو الأرصاد الجوية هذه الظاهرة بأنه يحدث في بعض الأحيان أن تقترب السحب إلى درجة كبيرة من الأرض ويصاحبها رياح قادرة على رفع بعض الحيوانات إلى ارتفاع قد يبلغ خمسة آلاف متر”.
كتبه عبدالسلام محمد هارون).


انتهى كلامه، وهو آخر استدراكاته في هذا المجلد، وأنا أسوق هذا إليكم نقلا من الطبعة الثانية الصادرة عام 1965م الذي يوافق عام 1384 من الهجرة، وأما فيلم (ماغنوليا) فهو إنما صدر عام 1999م، والذي دلني عليه أو أهداه إلي، لا أتذكر الآن، واحد من أولئك الأصدقاء الذين اختفوا من العالم، اختفاءً حقيقياً، حتى عن أصدقائهم الخلّص وعن ذوي قرابتهم.
وكنت أود أن أتحدث عن صديقي فهد هذا الذي اختفى، وعما عثرت عليه بعدما بحثت عن قصة هطول الضفادع هذه في بقية أصقاع الدنيا، لكنها قصة أخرى واستطراد آخر، وأكتفي بهذا القدر.

اظهر المزيد