أنا والسائح النائم في القاهرة – رحلات

عبدالواحد الأنصاري

 

 

1

القاهرة في عين فهد العتيق غيرُها في عيني محمد صلاح، وهي قاهرة أخرى غير القاهرتين الأوليين في عيون آخرين، وثمة ملايين القواهر، عاشت وتعيش، بعدد العيون التي رأت والأقدام التي خطت، وأنا وأنت غير الآخرين، واليوم غير الأمس.

منذ أن استقرّت قدماي في القاهرة وأنا أحلم أن أعود محمّلاً بهدايا كبيرة، غير أنّي ما عدتُ بأكثر من قميص نوم أحمر، يلمعُ نهاراً ويبرق ليلاً، ولم تمسسهُ يدٌ بشريّة. وبمجموعتين قصصيتين لحيدر حيدر، وبفوضى الحواس للجزائرية إياها، وبضع روايات لنجيب محفوظ، وكلّ هذه قرأتها هناك، خوفا من المصادرة لدى العودة، لكنها لم تصادر، لأنني نزعت أغلفتها عنها، وكرمشتُها بطريقة خبيثة لتبدو مثل كتب قديمة مستعملة.

كانَتْ أياماً يشعر فيها الأقباط بالغضب على الحكومة وتشعر به الحكومة عليهم، فلم يكن الوقت الأنسب لأقفَ كالفاصلة المتطفلة في الطابور بين أحد الأقباط وامرأته، هي أمامي وهو خلفي، وصاح بي: دي مراتي، قلت له: حسنا تريد أن تتجاوزني إليها؟ قال: الله ودي عايزة كلام، ورأى الضابط صليبه المتدليَ ذهبيا على مذهب قباني إذ يقول:

صليبكِ هذا زينةٌ أم تصوّفُ

رآه فقال له: وإذا كانت امرأتك فلماذا فارقتها؟ امسك دورَك ودع الناس تمضي.

فهمت أنني كنت جزءا من تنويعات ردود الأفعال المتشنجة بين الأقباط والحكومة.

2

خبّأ القدر لي شهرا ونصفاً من التصعلك بعيدا عن تلك الظلال.

وتلقيتُ التحذيراتِ مرارا وتكراراً، من المقالب التي قد يوقعني فيها حسن ظنّي؛ لكنني لم آبه لأيّ تحذير، فآلَ الإغفال إلى خيبة فقداني لنصف ما بيدي في اليومين الأولين، وهكذا مشيتُ أكثر مما ركبت. وحصرتُ خطط ما تبقى من المصروف لثلاثة أماكن: الأهرام، والمكتبات، ورحلة وحيدة إلى البحر، اقتنعت بأن تكون في ظهيرة حارقة، إلى الإسماعيليّة، على مرمى بصر من الخطّ الأشهر من كل خطوط العرض والطول في مصر: خط بارليف.

أمضيت  ثلاث ليالٍ في فندق المريديان، لم تسعفني رفاهيتها بالراحة، فخرجت لألتقي قدري، وانطلقت شرارة بداية التصعلك مع وقوفي أمام تمثال أسد التحرير، مرّوا بي تباعاً، أحدهم تدخّل قائلا: خذ صورة وأرح نفسك، ولم يمض هناك وقتٌ التقطني شابّ مؤثر، أبيض البشرة، وله ذؤابة لاتينية، وهندام مُعجِب، ساقني بلطافة إلى متجر يبيع عطرا، وكانت أخيلة الأحبة تحلّق حولي فاشتريت ما تيسّر، وإذا بالعطر لا يعدو كونه دهانا زيتيّا، تخلصت منه حال وصولي إلى جدّة، وألقيت به في يد أول صديق لقيته. بعدها صُدمتُ بصوري أمام أبي الهول وخلفنا الأهرام، وكان ظني أنّ الصورَ كلَّها بخمسة عشر جنيها، فتبحبحت بعشرين صورة، وحان الحساب لأعلم أن الصورة الواحدة بعشرين جنيها، والجنيه آنئذٍ ما زالَ يتعاور مع الريال ملاءة الحُضْر كما قالت الخنساء، وكانت المائة وخمسة بمائة فقط عندنا، وغادرنا القاهرة واستمر الجنيه بعدنا في الهبوط حتى صارت مائة جنيه بثمانين ريالا، تلقيت هذا النبأ بوجل، ولا أدري هل استقر الآن أم واصل الهبوط. وانهرتُ تماما عندما طلب الحلاق مني  خمسة وعشرين جنيها، وأكد لي أنه لا يمزح ولا يتهاون، وأن شغله مميّز، حتى إن هاني شاكر نفسه يحلق لديه.

لا أنكر أني أصبت بفوبيا الغبن، الأخلاق تقول إنك مغبونا خير منك غابناً، لكنني لا أتحدث عن الغبن وحده، بل عن طعم الهزيمة فيه، والمهزوم يبحث عن ضحيّة أحياناً، ويكتفي بجلد ذاته ساعات أخرى، ويلبسه الشكّ في أول المتكلمين إليه، وأول العابرين أمامه، وأول الواقفين بقربه، فإذا جاءت الغاسلة وقالت إن الهواء طار بسروال، فإنني أخمّن أنها أخفته في حقيبتها، وإذا قالت الطباخة إن الدجاج اليوم من حجمٍ كبير ويستحق تسعة جنيهات، فإني أنزل غدا وأشتريه بنفسي، وأتجه للفندق حاملا كيسي الأسود، ويسألني صديقي مازحا: ماذا في الكيس، فأجيبه متوجّسا أنه يلمح إلى رغبته في العشاء معي: دجاج، فقط دجاج، تفضل معي، لكنه يعتذر ضاحكا ويقول: بالعافية.

بيد أنني أجد العذر للمطحونين في كلّ هذا، لأنني ما أمشي إلا وتتجسّد أمامي مسرحيّة شمس النهار لتوفيق الحكيم، وأرى الحذر والحرص البالغ في التعاملات الماديّة فأتذكّر قول الوزير في المسرحية: حتى حدوات البغالِ اختفتْ. وأثناء ذلك قلت ضاحكا: إنها مبالغة لم تبلغ فداحة سرقة الكحل من العيون. بيدَ أنّ رأيي تبدّل عندما فهمت أنّ حدوات البغال ترمز إلى إطارات السيارات. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فما نحن ببعيدين عن هذه البادرة مؤخرا، في أيٍّ من شوارع الرياض، ولئن كانت ملابسي قد اختفتْ بدعوى أن الهواء طار بها من الدور السابع والثلاثين في القاهرة، فقد فقدتُ برميل طلاء أبيض، وسلكاً، وأبلكاشاً، في مسكني في الرياض، وكان جاري يقول دائما: في هذه الليالي أغلق السطوح من الداخل وأنسى.

من غيظ هاتين الصورتين استلهمت بعض المشاهد في نصي الطويل: سطوح وسراديب.

لا أدري أهوَ وشكُ الإفلاس، أم الخروج من ظلّ السحابة النفطية ، أمْ تغير الصيف وحسب، أم الزحام، أمْ ماذا! شيء ما كان موجودا لينغص، أحملق في السكّر الذي يقدّم لي مع الشاي على إحدى عوامات النيل، لأجد نملاً يدبّ بين حبات السكّر، وأُشرِفُ من الدور السابع والثلاثين من عمارة بم بم، في حي المنيَل، تهوي على ظاهر كفّي ثلاث قطرات من الطلّ الصيفيّ، كأنما هي آثار خطوة قطة صغيرة، فتصيبني أنسام الليل بآلام لا تضاهى في الساق، وأعود إلى الحجرة، وأغلق النافذة فيتعطل جهاز التكييف، ويبرح بي ألمُ الساق.

وأجري خلف المكتبات، مخترقا شارع الفجّالة، غير آبهٍ بسائق الأجرة الذي يصرخ في وجهي غضبا: أنت جئت لتشحذ في مصر (من أجل جنيه ناقص)، وغير ملتفتٍ إلى البرتقال المدلّى على ناصية الشارع، وعاصره الذي يشير نحوي لأجرّب، وأشتري قائلا له: لا رغبة لي في البرتقال، ولكنني أتفاءل بأني سأصبح زعيماً، قياسا على رؤيا صاحب يوسف الذي رأى عصر الخمر فبشره بأنه سيعصر الخمر للملك، فأنت العاصر وأنا المعصور له، وبدلا من العنبِ تعصر لي برتقالاً، وعوضاً عن المنام تراني في صحوك، وجابهني هوَ بفتوره لأعلمَ أن المطحونين لا يفرحون بتظرّف البرجوازيين، لعلّ ذلكَ لأنّهم يرون في حديث السيّاح تعالياً عليهم، وليس في الحياة أشدّ من الفاقة التي تخشى ابتسامة تهزأُ بها.

أجري خلف المكتبات، وفي ذهني أني سأعثر على معجزة تمحو من ذاكرتي معالم مكتبات الرياض، فأجدُ أنّ قائمة الممنوع اتّسعتْ لتنأى بما أشتهي عن يدي، وأعود بخفّي حنين، وبنظرة مستاءة من بائع مكتبة الفجالة (المكتبة المتعهدة بأعمال نجيب محفوظ) لأني سألته عن رواية أولاد حارتنا فأجاب باقتضاب: ليس لنا في هذه المشاكل، وأسأل عن أصداء السيرة الذاتية نفسها، فيجب باقتضاب أشد: مفيش!

وفي مصرَ إصرار قاطع على مقاطع اللهجة، فإما أن تتقِنَها وإما أن تُحرَج بكثرة السؤال عمن أنت ومن أين جئت. وأردتُ تصوير جواز سفري، فأخذ المصوّر يقلب فيه طرفه، لا أدري لم أردت صورته، هل ذلك لحجز تذكرة العودة أم لأن إدارة الفندق أرادته لغرض رسميّ، أخذ يقلب في الغلاف طَرْفَه، ويسألني من أين أنت، وقد هاله أنه لم يجد ما يظنّه، فاستغربتُ صنيعَهُ بلهجة بين الحجازيّة والمصريّة، كلهجة مصريّ عاش في جدة عشرة أعوام، وإذا به يشتطّ ويفردُ عن عضدين متينيْن، فخلّيتُ بينه وبين الجواز يتصفحه ويتأمله حتى فرغ، وكنت أود لو سألني عن اللون الأخضر، وإذن لأجبتُه: اللون البني للتربة التي تحتضن تلك الخضرة التي تبحث عنها، أخذت حاجتي ومضيتُ.

3

كانت تلك فرصة لأنام ويستيقظ السائح النائم ليجوب القاهرة (السائح النائم عنوان محاولة قصصية لي)، وخفّ ألم الساق شيئا ما، فهبطت إلى سينما المترو، وكان فلم بيرل هاربر في انتظاري، انبهرت بالشاشة الحائط، وبالصوت الذي يرجّك من أسفل، فتخالُ لوهلة أنَّ وركيْكَ متورطان في إصدار المؤثرات الصوتية، ولكنّ السائح النائم انتزعني من المتعة، وأقلقني استياء جاري في المقعد وأنا أسأل متى يؤذن للصلاة، فما كان منه إلا أن قال: لما أنت عايز تصلي أمال جاي هنا ليه. وأردف الذي بجانبه: ابن حنبل يبحث عن المسجد في السينما، وانتقل الفلم من الشاشة الحائط إلى المقاعد. وجئت بعدها لأطّلع على فلم عودة المومياء، حيث المصارع روك يمثل دور الرجل الممسوخ عقرباً، مشاهدة هادئة بعد أخذ احتياطي اللازم، وتتيح لي سعة العارض أن أكشف عيوب الجرافك هنا وهناك.

وفي مطعم تطل نافذته الشرقيّة على النهر، وتصطكّ بزجاجه أعناق الأنسام المتسوّلة إلى موائد الزبائن، هناك أسألُ عن مكونات أكلة يدعونها بـ(سوبر فياغرا) :ما معنى هذه الأكلة يا أخانا، فينظر إلى زبون من بلده ويصيح: هذه أكلة نعدّها للسعوديين، أما نحن فلمْ نجرّب طعمها.

وأبتلعها وأمضي.

السائح النائم يستاء من مصر وأنا أرفض، ولكنّني أتواطأ معه فأسجل شهادته على الناس والأشياء، وأدّعي المحايدةَ، وأحاول أن أحبسه في الغرف، لكنه يشتري درّاجة، يجوب بها المناطق هربا من مصروف سيارات الأجرة ومن شتائم سائقيها أثناء ممارستهم لفريضة الجهاد في الطريق، إلا أنني أرى أنّ هذه التفاصيل مجانيّة في بناء القصّة، وفيها نيلٌ بغير حقّ من فكرة فلم أمريكيّ، فألغي الدرّاجةَ وأحداثها من النص المنشور، وأبقيها في المخطوطة الأولى للذكرى.

وفي حيّ المنيل –لمدة شهر ونصف- رأيت فيه بعض ما أنكر القاهريّون أنه فيه، وقرّبت لهم الوصف بأنه على بعد مرمى حجر من كوبري عبّاس، فازدادوا إنكارا واستغرابا من مشاهداتي، ولكنّ السائح النائم رآه معي.

كان حيائي ما يزال بالغاً ومطحونا تحت صدمات بائع عطر نفرتيتي وسائق الأجرة وعاصر البرتقال وألثغ مكتبة الفجّالة وحلاق هاني شاكر وجاري في السينما وعملاق آلة التصوير، فلم أسألهم حينها، بل انتظرت حتى عدت إلى الرياض، وسألت الأصدقاء، فأنكروا ما قلتُ، واعتبروها ذكرى تخصني وحدي، وهي إشارة لبقة إلى أنني أكذب، قلت إنها تستحق التسجيل إذن، وتستحقّ أن أؤكد شهادتي عليها في عدة شوارع مررت بها، وأثناء ذلك خمّنتُ أنهم يفعلون هذا لأن الصيف حارّ، ولأنهم يتوقعون أن الحرارة سوف تتلف المسّاحات إذا سطعت الشمس عليها، لذلك تركوها واقفة! أي جنون!

4

أخيرا أقنعت السائح النائم بأن يكفّ عن الاستيقاظ على حسابي، فتركته يتابع التلفزيون، ويتورّط مع صديقه الآخر في مشكلة أخلاقيّة مع خادمة شقتهما وصاحبة الفندق، ليعود بحقيبته إلى الرياض. وبقيت وحدي، لي سعة المكان وضيق الوحدة، لي جناح كامل أنتظر فيه عودة “حضرته” ليتاح لي أن أعود إلى رياضي (الرياض)، ويأتيني صديق مصريّ ربطته بي صلة عمل، فأكتشف أنّ مثقفي مصر ملغومون بالسياسة، ويصدقون أنّ ثمّة حزباً صالحاً وآخر فاسداً، بيد أني وأنا الغريب، رأيت أن كل الطرق تؤدي إلى ما نعلم، وبعضهم تسرّبت إليهم أوهام التواصل مع الشخصية المصرية العتيقة بطريقة واحدة لا غيرَ: أن يقطعوا صلتهم بما بين ذلك، فالتاريخ يشهد بأن المماليك والأيوبيين والعثمانيين والفرنجة يستحقون أن يُقدّوا جميعا على صخرة واحدة، ويفصّلَ لهم ثوب واحد: الغازي المحتلّ، هذا ما تستخرجه إذا ما تعمّقت وتساءلت عن معنى قول أحدهم: إحنا الفراعنة.

يعدني هذا الصديق بمكرونة باشميل، ولست ممن يستحيون أن يذكروا أنّهم لم يجرّبوا هذا المطعم وذلك المشرب، لأنّ الآخرين لا يستحون أن يعترفوا بأنهم لم يجربوا المفطح والمثلوثة والمطازيز، هذا وأنا ما زلت في دائرة الرياض وما حولها، فما بالكم لو تزحزحت قليلا ذات اليمين وذات الشمال، قد تتسع الدائرة حتى تتسع على راقعها؛ وما زال الصديق يعدني بمكرونة الباشميل، حتى لم تأتِ إلا بعد شهر كامل، وجاءت باردة تحتاج إلى فرن، ولزمتني عشرون جنيها أدفعها لطباخة المطبخ حتى تعنى بها من أجلي.

القاهرة لا تُختزل في مشاعر شابّ على وشك الإفلاس مرّ بشوارعها وانعكست أضواء النيون على وجهه فيها ومضى

لم يشف غليلي لا عيد المولِد، ولا مكتبات الفجالة، ولا خان الخليلي، ولا الأهرام، ولا حتى الحسين في أيّام المولد، والخروج من المولد بلا حمّصٍ كلمةٌ ما وقرت في ذهني بأكثر مما استبدّت في تلك الليالي. وأدركُ فجأة أن عيبي ينحصر في احتياجي إلى قلبٍ، فربما جئت إلى القاهرة وتركتُ قلبي ورائي، ولكنّ شباب مصر يحرّكون لك قلبك، فكلهم فرتير في رواية غوتة، وصديقي أربعينيّ، مدخّن شرِه، ورث من أبيه مجداً لم يستفد منه، أطلعني على صورة لأبيه مع جمال عبد الناصر والسادات، وسألني في وجل: صورة ليست عند غيري، بكم تتوقع أنني سأبيعها، تخلّت عنه فتاتان كانت تربطه بهما خطبة محفوفة بآمال الحبّ، ولكن ريش العصفور تقصف، فهوى على الأرض، إحداهما تزوجت ولها صبية، تتصّل بهاتفه المحمول، فيسكت وتبكي، أو يبكي وتسكت، ويشكو من عمّة سطت على ميراث أبيه، ويسألني إن كان العمل سمسارا لأحواض السباحة يفيد؟ فأجيبه بأني لا أدري، ويتمتع برؤيتي وأنا أعد الشاي الأخضر بالطريقة المغربية من أعلى علّيين، وأصب له بطريقة العشر تقليبات، ويرى سمرة الشاي تعلوها رغوته سينتيمترين، وكأنها شيب على رأس زنجي، وأتغزل له في الإبريق المشرف من فوق الموقد، وأسأله: ألا يشبه لك ظبياً يطلّ من مرتفع؟ فيؤمّن على قولي، ونبقى صامتين، إلى أن يرحل الثلث الثاني من الليل، وتهدأ الزوارق وضجيج الفنادق، ويبدأ العمال في لمّ ما بعثره الليل، فيمضي.

اتصلت به ليلة المولد فقالت لي أمه: كل سنة وأنت طيب، وسمعتها تناديه: حبيبك اتصل، فخفق قلبي.

وليلتها مرّت بي الغاسلة وشربت معي من شايي الأخضر، وانتظرتني حتى سلمت من صلاة العشاء فقالت لي:

ادع لي يا بني، فقلت لها: إن أمثالكِ لا ترد دعوتهم، فابتهلي من أجلي لأعود إلى الرياض سريعا.

5

قالوا إنه لا يحقّ لغير المصريّ أن يعتب على مصر، لأنه يرى دلتاها في الخريطة كذراعيْ حبيبته، ولأنه يرى في خط بارليف خطّ استوائه، ولأنه يرى في القاهرة أمّ الدنيا. وإن كانت أم الدنيا فقد ورثت منها ابنتها بعض الخصال، أنّها حلوة، شقيّة، خضرة، مؤلمة، وغدّارة. اللحن القديم مضى إلى غير رجعة، تماما كما انمحت الأسقف القديمة تحت تكالب الأدوار المستحدثة، فلا تسمع أمّ كلثوم ولا عبد الحليم، بل هزّا كالمدافع في كلّ زاوية، لم أسلم منه لا عند الحلاق ولا في مكتبة مدبولي ولا وأنا أعبر بهو المرديان. الشتائمُ على أفواه الباعة وسائقي السيارات وفي أشداق المدموزيلات وبين أحناك الصبيَة وفي لغات الطير، والضجيج قاهر ومتوتّر، تظنّ أنّك الآن  في قلب الشهاب وأنك سترتطم وتتطايرُ أشلاءً، وقليلا ما تصدق أنك عدتَ إلى مخدعك آمنا. ربّما كانت الغابة في قلبي لا في بصري، ربّما لم أفطن إلى أنني أبحث عن صورة مرسومة في القنوات الفضائيّة، ربما أصبت بفصام بين شدة الحب وذهول المفاجأة، وربّما كانت قلة مصروف الجيب قد طمست بالسواد كل المعالم، وإذن فلست بغريب عمّن كانوا حولي من الشعب، سواء بسواء، وكأننا في صفّ صلاة.

6

لبستني الحيرة ذات يوم، وكان ألم ساقي قد عاودني، فقلت لأجرب المشي لعلّه يشفي، وذهبت إلى الميزان فوجدتني مزدادا بثلاثة أكيال، فاتّهمت نفسي بالبطر، واتهمت حيرتي بالفراغ، واتهمت ضيقي صدري بالتعالي، فجلست على سياج النيل في وقت ذروة، ومروا من بين يديّ ومن خلفي، رجالا ونساء، وتكرر مشهدُ ثنائي الحبّ، هو ذراعه حول عنقها وهي حول خصره، أو تحتضن مرفقه ويحتضن مرفقها، أو يتشابكان بالأيدي، أو بعيدين عن بعضهما وأيديهما تومئ حتى يختفيان، كان بعضهم خليقين بأن يشيّعوا بأبيات شوقي في يا جارة الوادي، حيث قال:

لم أدر ما طيبُ العناق على الهوى

حتى ترفّق ساعدي فطواكِ

وتأوّدت أعطاف بانِك في يدي

واحمرّ من خفريْهما خدّاكِ

ودخلت في ليلين شعرِك والدجى

ولثمت كالصبح المنوّر فاكِ

وأحيانا يتعقّد المشهد وتتعدّد تفاصيله فأنصرف عنه من الشعر إلى الدراما العشقية فأتخيلني شاهدا يعيش من داخل الشاشة أفلام فقيه الممثلين محمود ياسين. وبين شجرتين تحضن إحداهما أختها جلست، وفي يدي قلم غريب، وما مضى وقت يسير حتى وقف على رأسي صبيّ قائلا: ممكن القلم. وضعت القلم في جيبي ومضيت متضايقا، لكنني اكتشفت أنه بائع ورد، فاشتريت وردتين بجنيه.

لا تستطيع المشاهد الخارجية أن تخرج بنتيجة مستقلّة عن خزينة الوضع النفسيّ، لأن الانطباع الأوليّ يتكون داخل تلك الخزانة المحصنة ضد التجاهل، ولعلّ هذا يجعلني أعيد هذا الانطباع إلى  أنني طوال ما عشت من عمري لم أعش أكثر من حبّين اثنين: حب المرأة، وهو حبّ يأكله الزمن ويقرضه فأر النسيان.

وحبّي لوطن يضمني، ربما لأن أسرتي تقاذفتها أيادي النوى بين السعوديّة وليبيا والجزائر والمغرب، ولم تسلم منها لا لندن ولا باريس ولا مالي ولا النيجر، وقريبة واحدة تمشي في مصر على قدمين، وتمتاز بحشرة في فمها تدعى لساناً لا يفتر عن التذمر من صعوبات عيشها، فما دامت وجبتي العائليّة منتظمة في أطباق جمّعت من كل هذه الديار فلا عجب أنْ أعلق من كلّ بقعة منها بحبّ، وعتاب، وهو حبّ يأكل الزمن على عكس الأوّل؛ لأنه وثيق الصلة بالمجتمع القبلي المثالي الذي أحلم به وحُرمتُ منه. لا أحبّ أنتزع النص من مصر وأجنّده لعقدي النفسيّة، وأعد نفسي وغيري بالإقلاع عن محاولة الاستعطاف هذه منذ الآن؛ لأنّ القارئ ما إن يبدأ في التعاطف حتى ينزلق إلى بئر التصديق الأعمى، وهي منزلة لا أشتهي أن أهبط به إليها، لأنه تحاول أن تجرّده من التتبع والتدقيق.

يا كم يكون الخارج خادعا، أو جزءا من متعدد لم نحط به علماً، فالكهول والشيوخ يبدون في الصورة الفوتوغرافية أقبح مما هم في الحقيقة، لأننا لم نطلع على تورد وجوههم وعمق نظراتهم ووقار ابتساماتهم، والفتيان والشبّان يبدون في صورهم أجمل مما هم عليه، لأننا رأينا الهندام وتناسق الملامح، وفاتتنا فلتات الملامح ونزغات الطيش. قد يكونُ هذا هو سرّ ما بين الرياض والقاهرة في قلبي.

القاهرة لا تُختزل في مشاعر شابّ على وشك الإفلاس مرّ بشوارعها وانعكست أضواء النيون على وجهه فيها ومضى، وقد أدّعي لأنني أعلم الناس بالكاتب بعد ربّه، أنّ أيّ شوق لا يستطيع مضارعة شوق الفتى المنتزع من شهد رضاب يبترد به من حرّ الصيف، حتى وإن دَفعته يدٌ جبّارةٌ إلى ذراعيْ أمّ الدنيا التي تدغدغ السيقان بأنسامها العليلة، تلك الدغدغات ستعني آلام عرق النسا حتما لمن لم يجرب العشق، والقطرات الثلاث المستريحة على ظاهر كفّه ستكون أشبه بأثر قدم قطّة منها إلى أثر خطوة طائر جميل، ومن أين له أن يحتسبها ثلاث لآلئ حملت إليه على بساط سليمان من شط الإسكندرية؟ وتلك هيَ مذاهب الشوق.

أعرف أناسا مرّوا مصر في قنوات، صديقا زارها في قناة عمل، وآخر زارها في قناة مؤتمرات صحفيّة، وغيرهما في قناة حضور احتفال مهرجانات التمثيل، لكل قناته، وما زالت مصر تتّسع؛ ولكنّ أولئك ليسوا كمن  فقدتْ أحذيتهم جدّتها على أديم الشوارع والأزقّة، وحرّضهم نضوب ذات اليد على أنّ المدينة تأخذ أكثر مما تعطي؛ هؤلاء لم يستطيعوا رؤية أطراف الجسد متناسقة في حركتها، بل رأوها وكأن الأطراف مشدودة على الجذع بضمّادات، امشِ على قدميكَ، خالياً من اطمئنان الجيب المنتفخ، متخوّفا من تأخر العودة المأمولة، غير محاطٍ بالمباهج، وغير متوج بمزيّة انتقاء ما تشتهيه، ففي الشوارع الخلفية ترى ما لم تتخيل أن تراه ولا في كولمبيا، وإذا تقدّمت إلى الخارج فسترى طلاباً وطلبة كأنما هم أنهار تجري، وتقدم قليلا لترى واجهة المريديان وحركة العشاق والسياح وكأنك في إيطاليا، وابتعد إلى الأهرام لتسافر إلى مصر القديمة، وعد إلى الشارع وضع في أذنيك قطنا إن كنت ستتحسس من تذمرات السائقين، وخذ الجريدة والتلفزيون لتعتقد أن هذه البلد تهتم بالانتساب إلى الفراعنة بأكثر مما تهتم بخبزها، ودع المساء يهبط واذهب إلى متحف أو مسرح أو مرقص، لتظنّ أنّ مصر نذرت نفسها للفن والمتعة؛ سترى المساجد ملأى، والأسواق ملأى والمطاعم ملأى والشوارع ملأى، والناس يمشون، وترى سحابة من الفاقة تعلو كل شيء، وترى أبطال الروايات المطحونين في كل مكان، فتفتر همّتك، ولعلك تلجأ إلى الفتور لأن رأسك امتلأ واشتقت إلى أن يعاودكَ وعيكَ، لعلّك حينها -وأنت محاصر بمشاكل وجودك وبآلام الآخرين- ستشعر بالضآلة المطلقة وبفقدان الحيلة المطلق، حينها ستراجع مصروف جيبك، وتجري اتصالا طويلا بمن تشتاق إليه في الرياض، يستنفد نصف ما تبقى من مالك، وينتهي الاتصال، ويبقى لك الفراغ، على الرغم من امتلاء كل حواسّك بما فوق طاقتها.

7

ولكنني ما خسرتُ الصفاء كلّه، فمن حين لآخر أطلّ على قاهرة غير التي أعرف، في القاهرة الجديدة، وطوراً في رواية بداية ونهاية، والقاهرة في هذه الرواية بالذات كتلك التي في عيني، أرى التشابه الملفت فأعذر نفسي عن بعض ما يكتويها، أتساءل إن كان تمثال نجيب محفوظ الذي لم أره أطول أم أبو الهول؟! وأقول: إن لم يكن أطول فما أجدره أن يتطاول ويرقى إلى العلّيين مترا واحدا على الأقلّ لكل رواية من رواياته، حتى لا يبقى في القاهرة تمثال أعلى منه. شريفة وحسين وحسنين يطلان عليّ من قاهرة ذلك اليوم، وما أشبه الليلة بالبارحة.

قبيل الفجر تصفو المدينة وتخلو، ويتضبب المشهد فيما بعد الفجر، ولا حسّ ولا خبر، أرى الأهرام من شرفتي حياديّة لا تنطق بأكثر مما تنطق به المناظر المستقلّة عن الإضافات الأخرى، وأتذكّر ما كتبه الغيطاني عنها فأنعت نفسي بالجهل، وأنتهز الفرصة لأتنفس هواء لا صوت معه، أتذكر أني خرجت من السينما في ثلث الليل الأخير، في سيارة أجرة يقودها سائق نحيل، لم يضغط على المنبّه، ولم يسألني عن شيء، وأخذ ما أعطيته ومضى هادئا، وعلى ثغره ابتسامة، عشت في ذكراه ساعة الأرق التي تنتظرني وأنا أفكّر في شأن العودة، ونعمت مع ذكراه بصفاء ما لبث أن تراجع إلى الخلف في لحظة الشروق التي تنقلب فيها طاولة المدينة، وتستدير الرحى، مع بداية دخول ثلاثة ملايين أو يزيدون إليها، ينسربون إلى أعمالهم التي تنتظرهم كما تركوها يوم أمسِ.

اظهر المزيد