الوشم – قصة مترجمة للياباني جونيشيرو تانيزاكي

ترجمة رشا التهامي الجديدي

جرت وقائع هذه القصة في زمن كانت فيه عادة اللهو مزدهرة عند النبلاء. آنذاك لم تكن أعباء الحياة تتطلب نضالاً قاسيًا لتأمينها. كذلك لم تكن وجوه الأرستقراطيين الشباب والإقطاعيين قد اكفهرت بعد، وكانت جواري الشرف والمحظيات في البلاد مبتسمات دائمًا. حتى أن مهنتي المهرج وظرفاء المقاهي كانتا موضع تقدير كبير. لقد كانت الحياة مريحة ومبهجة. وأما الجمال والقوة فكانا يعرضان على المسرح، ويذكران في كتابات العصر متلازمين تلازمًا لا ينفصم. فالكمال الجسماني كان هدفًا من أهداف الحياة الرئيسة، لذلك كان الناس يَشِمون أجسامهم بخطوط وألوان متألقة تنساب انسيابًا راقصًا. وعندما كانوا يريدون زيارة أماكن المرح، يختارون لحمل المحفّات رجالاً وشموا أجسامهم بمهارة. وكانت محظيات يوشيوارا وتاتسومي يمنحن قلوبهن للرجال الذين نقشت أجسامهم بوشم جميل. ورواد المقامر والتجار، ومرافقو النبلاء وأتباعهم يهرعون إلى الوشامين.

آنذاك كان ثمة شاب يدعى سيكيشي ذو موهبة مميزة يتابع (الموضة)، وقد فاقت شهرته عظماء الوشامين. واشتهر بأصالة رسومه وسماتها الشهوانية، وكانت رسومه تفوز بالجوائز الرفيعة في معارض الوشم، فتمنى معظم المعجبين بهذا الفن أن يصبحوا من زبائنه، لكنه كان يعزف عن تنفيذ أعماله على الذين لا تروق له جلودهم أو لا تجذبه أجسامهم، ويشترط على الزبائن الذين يقبلهم أن يوافقوا على التصميم الذي يختاره لهم، وأن يدفعوا السعر الذي يطلبه منهم، وأن يكونوا مستعدين لتحمل ألم إبره الموجعة جدًا لمدة شهر أوشهرين.

وكانت تكمن في قلب هذا الوشام الشاب عواطف ومسرات غريبة، إذ يسر عندما يتورم لحم الزبون وينزف منه الدم القرمزي من وخز الإبرة. وكلما انخفضت قدرته على تحمل الألم ازدادت صرخاته ارتفاعًا، كانت مسرّة الفنان أعظم. وكانت تبهجه التصاميم القرمزية المشهورة بشكل فائق، لأنها أكثر أنواع الوشم إيلامًا. وبعد أن يتلقى زبونه لتنفيذ هذا الوشم خمسمائة أو ستمائة وخزة، يستحم بماء حار جدًا لتغدو الألوان أكثر حيوية. وغالبًا ما كان الزبون ينهار عند قدمي سيكيشي وهو بين الحياة والموت.

فيلقي نظرة راضية من طرف عينيه على وجه الضحية المبلل بالدموع. ثم يتابع عمله دون أدنى مبالاة بما حل به.

كانت صبوة طموحه منذ سنين عديدة، أن يخضع لإبرته جلدًا صقيلاً لفتاة جميلة. ولطالما تمنى بوشم روحه على مثل هذا الجلد. وقد رسم في خلده أوصاف تلك المرأة الخيالية، من الناحيتين الجسمية والنفسية، فلا يكفيه أن يكون وجهها جميلاً وجلدها ناعمًا رقيقًا. وكلما طال بحثه عنها عبثًا بين المحظيات الشهيرات، تزداد رغبته بها تأججًا.

وذات أمسية من أمسيات الصيف، حينما كان يتمشى جذب انتباهه قدم أنثوية باهرة البياض، تختفي صاحبتها وراء ستائر المحفة.

لقد كان يعتقد أن القدم كالوجه تفصح عن سمات متنوعة، فالأصابع مثالية الشكل، والكعب مدورة، والجلد أبيض مغسول بماء قراح من جدول جبلي. صفات نادرًا ما تجتمع لتجعل من القدم كاملة التصميم تحرك قلب رجل وتطأ على روحه. سرعان ما أدرك سيكيشي أن هذه القدم هي للمرأة التي يبحث عنها. فلحق بالمحفة مبتهجًا، عله يلمح وجهها. لكنه بعد أن تبعها في شوارع عدة أضاعها عند أحد المنعطفات. ومنذ ذلك الحين تحوّل ما كان في نفسه شوقًا غامضًا إلى رغبة من أعنف العواطف تأججًا.

ذات صباح بعد أن مرّ عام، استقبل سيكيشي في منزله فتاة أرسلتها إليه صديقة من صديقاته الراقصات. قالت الفتاة بخفر:

اعذرني يا سيدي لقد طلبت مني سيدتي أن أسلمك هذا المعطف، لتتلطف برسم صورة الممثل ثواي توجاكو على بطانته. ثم ناولته رسالة ومعطفًا ملفوفًا بورقة تحمل صورة الممثل.

كتبت الراقصة في رسالتها إلى سيكيشي: إنها تريد، أن تقدم رسولتها التي تبنتها أخيرًا، لأول مرة للمجتمع كفتاة من (الجيشا) في مطاعم العاصمة. لذلك تسأله أن يفعل ما يستطيع، ليساعد هذه الفتاة على أن تمضي في مسار حياتها الجديدة. نظر سيكيشي بإمعان إلى وجه الفتاة، فرأى فيه نضوجًا غريبًا، على الرغم من أنها لم تتجاوز السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمرها. ورأى في عينيها انعكاس أحلام الجميلات في هذه المدينة، التي تتجمع فيها كل فضائل البلاد ورذائلها. تحولت نظرة سيكيشي إلى قدميها الرقيقتين المنتعلتين قبقابًا مغطى بضفائر من القش، ثم سألها عما إذا كانت تلك الفتاة التي غادرت مطعم هيراسي، في محفة في يونيو المنصرم؟

أجابته الفتاة ضاحكة من سؤاله الغريب:

نعم يا سيدي: أنا هي. كان والدي حينذاك لايزال حيًا. وكان يأخذني من حين إلى آخر إلى مطعم هيراسي.

فقال سيكيشي: إنني أبحث عنك منذ خمس سنين.. مع أنني لم أر وجهك من قبل، ولكن سبق لي أن رأيت قدمك بارزة من تلك المحفة، فعرفتني بك.

ثمة شيء أريدك أن تشاهديه. هيا تفضلي إلى الداخل.. لا تخافي.. أمسك بيد الفتاة المترددة المتوجسة، وقادها إلى غرفة في الطابق العلوي تطل على النهر الكبير، ثم أحضر لفافتين كبيرتين وفتح إحداهما أمامها، ظهرت لوحة لـ (موهسي) الأميرة المحببة لإمبراطور اليابان القديم (تشاور) القاسي. تصور الأميرة: متكئة بتكاسل على إفريز شرفة تطل على حديقة. وذيل ثوبها الموشى بزخارف كثيرة يستقر على درجات السلم المؤدي إلى الحديقة، ورأسها الصغير لا يكاد يقدر على حمل تاجها المثقل بالأحجار الكريمة الزرقاء وباللازورد والمرجان. ترفع بيدها اليمنى كأسًا وهي تلقي نظرة باردة ليس فيها شيء من الشفقة، على سجين موثوق اليدين والقدمين إلى وتد، يقبع تحتها في الحديقة، على وشك أن يطاح برأسه. لقد أبدع الفنان برسمه ما يعبر عن نفس وأفكار كل من الأميرة والمحكوم عليه بالإعدام بمهارة فائقة، جعلت اللوحة فنًا كاملاً من الدرجة الأولى.

وحين حدقت الفتاة في اللوحة الغريبة المفزعة، بدأت عيناها تلمعان وشفتاها ترتجفان. وبالتدرج بدأ وجهها يتحول إلى وجه الأميرة.

ابتهج سيكيشي وهو يحملق في الفتاة وقال لها: هذه اللوحة تعكس روحك.

سألته الفتاة باستنكار واستغراب: لم أريتني هذه الصورة المرعبة؟

أجابها: المرأة المرسومة في اللوحة هي أنتِ.. دمها يتدفق في عروقك!

ثم فتح سيكيشي اللفافة الثانية فظهرت لوحة عنوانها (الضحايا)! في مركز الصورة، ثمة امرأة تتكئ على شجرة توت تحملق في أشلاء لرجال، مبعثرة عند قدميها. وقد ارتسم الاعتزاز والرضى على محياها الشاحب. وثمة سرب من الطيور الصغيرة تتقافز بين الجثث مغردة بسعادة، وبدا من المستحيل أن يعرف من يشاهد اللوحة فيما إذا كانت تمثل ميدان معركة، أم حديقة في فصل الربيع!

خاطب سيكيشي الفتاة، وهو يشير إلى وجه الصبية في اللوحة، الذي يشبه وجه زائرته شبهًا غريبًا: هذه اللوحة ترمز إلى مستقبلك.. أما الرجال المتساقطون على الأرض، فهم من سيخسرون حياتهم بسببك.

صرخت الفتاة: أتوسل إليك.. ابعد هذه اللوحة عني. ولأنها تكهربت بسحرها المرعب، أدارت ظهرها إلى اللوحة وألقت بنفسها على حصيرة القش، وشفتاها ترتجفان وجسمها كله يرتعش. ثم همست: سيدي، لابد أن أعترف لك.. أنا كما خمنت، أملك في داخلي طبيعة تلك المرأة، فأشفق علي وأبعد عني هذه اللوحة!

تكمن في قلب هذا الوشام الشاب عواطف ومسرات غريبة، إذ يسر عندما يتورم لحم الزبون وينزف منه الدم القرمزي من وخز الإبرة. وكلما انخفضت قدرته على تحمل الألم ازدادت صرخاته ارتفاعًا، كانت مسرّة الفنان أعظم

أجابها مؤنبًا: لا تتكلمي كالجبناء! لأنه جدير بك أن تتأملي اللوحة وأن تدرسيها بوعي.. بعدئذ سيذهب عنك الخوف منها!

لم تستطع الفتاة أن تظهر وجهها بعد أن دسّته في ردن (الكيمينو) خوفًا من اللوحة. وراحت تكرر: رجاء سيدي، دعني أعد إلى بيتي. إني خائفة من وجودي معك. أجابها سيكيشي بحزم: عليك أن تبقي هنا لحظة. أنا وحدي الذي يستطيع أن يجعل منك امرأة جميلة.

تناول سيكيشي من على الرف قارورة تحتوي على مخدر قوي.

كانت الشمس تسطع متألقة على النهر، وانعكست أشعتها كأمواج ذهبية على الأبواب وعلى وجه الصبية النائمة.

أغلق سيكيشي الأبواب وجلس إلى جانبها، وراح يتأملها مليًا للمرة الأولى. فاستطاع أن يستمتع بجمالها كاملاً. وخال أن بإمكانه أن يظل جالسًا يتملاها سنين طويلة.

ولكن اندفاعه لإنجاز تصميمه غلبه بعد لحظات. فأحضر أدوات الوشم، وكشف جسد الفتاة، وبدأ يعمل على ظهرها. وبالتدريج صارت روحه تحل في الوشم الذي يرسمه على جلدها الصافي، وكأن كل قطرة من الصباغ القرمزي الذي يحقنه في جلدها، قطرة من دمه تسري في جسم الفتاة.

لم يكن يحس بمرور الزمن. حانت الظهيرة وانقضت، ثم جرّ النهار الربيعي الهادئ أذياله نحو المغيب ولكن يده ظلت تتابع عملها بشغف ودون أن توقظ الفتاة من نومها. ومع أن القمر صار معلقًا في قبة السماء، لم يكن قد أنجز نصف رسمة الوشم. توقف سيكيشي عن عمله ليشعل المصباح، ثم جلس ثانية يتابع عمله دون أدنى كلل.

وكانت كل وخزة من إبرة يغرسها في جلد الفتاة، تحتاج إلى جهد، فكان يطلق بين الفينة والفينة تنهيدة، وكأن قلبه كان يحس بالوخز. وبدأت تظهر بالتدريج معالم عنكبوت ضخم. ومع دخول نور الفجر الباهت إلى الغرفة، تجلى هذا الحيوان ذو الهيئة الشيطانية، فاردًا أرجله الثمانية على ظهر الفتاة. أخيرًا، أنجز سيكيشي الوشم، تنحى جانبًا، وأمعن النظر في أنثى العنكبوت الضخمة المرسومة على ظهر الفتاة، فشعر أنه قد عبّر في عمله عن جوهر حياته كلها، لكنه بعد أن أنجز العمل، سرعان ما شعر أن في داخله فراغًا هائلاً!!

ثم خاطب الفتاة:

كي أمنحك الجمال المطلق، سكبت روحي كلها في هذا الوشم، ومن الآن، لن تنافسك امرأة في اليابان! ولن تعرفي الخوف أبدًا، كل الرجال سيكونون ضحاياك.

ما إن سمعت كلماته حتى صعدت إلى شفتيها أنّة وارتجفت أطرافها. ثم بدأت تعود إلى وعيها تدريجيًا.

وبينما كانت ممتدة على بطنها تتنفس بعمق، كانت أرجل العنكبوت تتحرك على ظهرها، كأنها أرجل حيوان حي، فأعلمها سيكيشي:

لابد أن تعاني… لأن العنكبوت يعانق جسمك بإحكام.

فتحت عينيها نصف فتحة عن نظرة بلا معنى. ثم بدأ البؤبؤان يشعان ألقًا، يضاهي نور القمر المنعكس على وجه سيكيشي، فأجابته الفتاة:

سيدي… لأنك منحتني روحك، فلابد أنني قد أصبحت غاية في الجمال!

تكلمت كما لو كانت في حلم، ومع ذلك كان في صوتها نبرة ثقة وقوة.

أمرها سيكيشي:

عليك أولاً أن تستحمي، كي تلمعي الألوان. ثم أضاف: سيكون ذلك مؤلمًا، مؤلمًا جدًا… هيا تشجعي!

أجابته الفتاة:

سأتحمل أي ألم من أجل أن أصبح جميلة.

ثم هبطت بضع درجات إلى الحمام، وما إن غطست في الماء الحار حتى لمعت عيناها ألمًا، وراحت تتأوّه وتصرخ:

إنه كالجمر، حارق جدًا، ابتعد عني يا سيدي… لا أحب أن يراني رجل وأنا أتألم… انتظرني في الطابق العلوي، سألحق بك عندما أكون جاهزة.

لكنها عندما خرجت من الحمام، لم تكن قادرة على تنشيف نفسها، ثم تهاوت على الأرض، فانساب شعرها الطويل على جسدها وبدأت تئن. وبعد أن هدأت، صعدت إلى الطابق الثاني مرتدية ثيابها بعناية. وقد تدلى شعرها الرطب على كتفيها. أما فمها الرقيق وحاجباها المقوسان، فلم يبدُ عليهما أي آثار للمحنة التي خاضتها. لقد بدأت هادئة وفي عينيها وميض بارد! وعلى الرغم من صغر سنها، ظهرت عليها سمات امرأة قضت سنوات في المقاهي، فاكتسبت خبرة أسر قلوب الرجال. حدق سيكيشي مندهشًا بالتغيرات، التي لحقت بالفتاة التي كانت خجولة ووجلة يوم أمس، ثم ذهب إلى الغرفة الثانية وعاد باللوحتين وقال لها:

أهديك هاتين اللوحتين، وكذلك الوشم، طبعًا.

قالت له الفتاة بلهجة هادئة باردة:

سيدي. الآن قد تحررت من كل خوف… أنت… أنت ستكون ضحيتي الأولى!!

فأجابها:

أريد أن أرى الوشم… أرني وشمك.

أمالت رأسها صامتة. ثم رتبت ثوبها.. فسقط نور الصباح على الفتاة اليانعة، وبدأ الوميض الذهبي يُشعل العنكبوت!!.

 

اظهر المزيد