اضطراب الذوات المتحولة – قراءة في قصة لمشهور البطران

عبدالواحد الأنصاري

نحن الآن مع هذه القصة، حيث الاضطراب النفسي للمنبوذ في حالة مريعة من الإحباط وثقل العار الذي ينوء بحمله، يجنح بنا الكاتب إلى تحوير موحٍ لهذه الحالة، انطلاقاً من أن فرضية الحدث الواقعي لا تنتهي بما هو محصور في إطار المادة، بل تكتسب الخرافة واقعيتها بقدر ما هي عامرة، كما في هذه القصة، بالنوازع البشرية والإيحاءات الإنسانية التي تكتسب بصدقها واقعية ذات احترام وتقدير في نفوسنا كبشر، لأنها تتحدث عنا.

لمن قرأ لفرانز كافكا قصة “المسخ”: الحديث في تلك القصة واقعي في تفاصيله، ولكنه خيالي إيحائي في قالبه، فالبطل يضطرب ذات ليلة بأحلام مفزعة ومؤرقة (الإحباط النفسي والشعور بالعار في قصتنا هذه) ثم يجد نفسه فجأة قد مسخ إلى حشرة كبيرة (حضور التغير البيولوجي بغرض إضفاء لمسة صريحة تنفذ بارتياح لشحذ المشهد بالفزع والألم الشديد). طبعاً لا يتغير ما في نفس البطل من دوافعه الخيرة والاستجابة الإنسانية الفطرية لدواعي العطف (تماما كما حدث للبطل حين شاهد الفقير الذي يقتات من الزبائل، وهذه تهيئة لإيصال فكرة الانهيار التام الذي أصاب البطل في الأخير، إذ لم يعد يميز بين الأبيض والأسود من جراء مصابه الذي اغتاله). وظل المسخ في قصة كافكا يتغذى بالفضلات (كناية عن فقدان القدرة على احترام الذات، وهو ما لم تنصب فيه نفسية بطلنا، بل انصبت في السؤال الملح في استنكار الاضطهاد الاجتماعي، مع الإصرار على المحافظة على مقدرات احترامه لذاته وإنسانيته) ويتجنبه الناس جميعا إلا أخته التي تغذيه الخضراوات (في القصة خاصتنا كانت الرأفة منصبة على البطل من الرجل الصارم في نفاق اجتماعي، وهو تناول أقسى)، وذات يوم خرج من تحت السرير إذ سمع أخته تعزف معزوفة جميلة، ومن مرآه أبدى الكل امتعاضهم ونفورهم، ورماه والده بتفاحة قصمت ظهره، فعاد إلى مخبئه حيث مات هناك (في هذه القصة أيضا كانت الضربة القاضية من الرجعية المفترض أن تكون وسيلة الانتشال من المصيبة (المشعوذ) كما هو الحال مع الأب في قصة كافكا، إذ كان المفترض انتظار الفرج من يد أبيه لكن الحقيقة المؤلمة أنه كان صاحب الضربة القاضية) فنقلت القصة إلينا بذلك مزيجاً من الرمز والواقع لتعرية حالة من الهزيمة الجوانية والإحباط العارم الذي نال الابن، فبالإضافة إلى ماضيه الموشوم بالعار، فإن الحب الرجعي (الرجعية العاشقة) في مطاردة أمه للخرافة لشفائه منها كانت سببا مباشرا لوفاته الأولى.

عرّت القصة أمامنا الشخصية الموشومة بالعار (خيانة الوطن)، ورسمت الصورة الفظيعة للاستبداد الإسرائيلي، الذي لا يأمن منه حتى الحيوان

وتناولت قصة “المنبوذ” الفساد الاجتماعي والخلقي المتستر خلف بهرجة المظاهر (الرجل الصارم المحب للحيوانات والعاهر في الوقت نفسه – الخطيبة التي تتهرب من عناق خطيبها لكنها تسمح لنفسها بنزع طوق احترامها لذاتها واستحلاب لحظة إشباع من حيوان – الشيخ الذي يتظاهر بالدعوة إلى الله وحمل رسالة الشفاء الإعجازي وهو في حقيقته يستنزف دماء الطبقة السفلى من الرعاع).

وقد عرّت القصة أمامنا الشخصية الموشومة بالعار (خيانة الوطن)، ورسمت الصورة الفظيعة للاستبداد الإسرائيلي (الذي لا يأمن منه حتى الحيوان). ولقد استفدنا من تجربة القط مدى المعاناة غير المحدودة التي تنال جنس الكائن الحي برمته (إشارة إلى أن البطش الإسرائيلي غير متعلق بالمقاومة أو تأمين الأمن).

لم أقف على أي عائق ينقص من قيمة سردية النص أو يفتق بهاء رداء الحبكة أو يطعن في منطقية الصلة الرابطة بين الشخصيات، جميع شخصيات القصة منذ بداية خلقها إلى نهاية التعامل معها – بدءا بشخصية المدرس المربي الواعي الذي يمثل الندرة للوعي الإنساني في المكان والزمان وأرضية الحدث، وانتهاء بشخصية الشيخ المشعوذ الذي يظهر لإتمام مخاض المأساة مكملا المأساة – كانت جميع الشخصيات مفسرة لنفسها بالموقف والحالة النفسية، وسلوكها موزع على دوافعها العامة، ولم تعترضنا علامة استفهام واحدة عليها. وكان الكاتب ملما بأهمية الوظيفة الدرامية للحديث النفسي الداخلي بإنصاف وليس بطريقة نتوءات على وجه القصة.

ولا يفوتني أن أذكر كما أصر على الذكر في كل مرة: أن الصور المستقاة من الواقع المتواري ذات تأثير كبير في إضفاء السحر الجمالي على العمل القصصي بشرط أن تحسن توظيف البيئة وشخصيات الحدث وتبثها في روح النص.

 

رابط قصة المنبوذ

اظهر المزيد