حدائق روائية

قراءات في السرد العالمي الحديث

 

البستاني*

“كلُّ شيءٍ، كلُّ عشبةٍ وكلُّ ورقةٍ أو غصنٍ أو بتلةٍ، كلُّ شيءٍ يذكِّرني بنظيره أثناء تجوالي في هذه الحدائق”، ذلك هو أول ما يقوله البستانيُّ.

قد يقف في وجهك طبيبَا أسنانٍ اثنان متشابهان في السجايا، أحدهما قادم من عوالم ماركيز، والآخر يتسكَّع بين يديك على سطور غلاف رواية “العجوز الذي كان يقرأ الروايات الغرامية”، وتطّلع على رواية استَلْهَمَتْها كلير حجاج من حكاية عائلتها مع برتقال يافا هي: “برتقال إسماعيل”، فتعود بك الذكرى إلى قصة غسان كنفاني “أرض البرتقال الحزين”، وإلى أعماله السردية الرائدة عن فلسطين، التي لم يسبقه إليها أحد، ويبرز إليك مقطع من رواية “النباتية” لهان كانغ فيتسلسل أمامك شريط ممتد لا يكاد ينقطع، من صور وصور، من ملحمة أوفيد، وقصص ألف ليلة وليلة، وسيرة سيف بن ذي يزن، ومجنونة موباسان، ووشم تانيزاكي، ومسرحية السيد سيكامور، وكأنك ورقة روحانية تتهادى بها الريح في جنة هيرمان هسّه الأبديّة، أو كأنك جرعة ماء أُلقي بها في نهرٍ جار، ثم قيل لها: انظري إلى ما حولك.

حاولت أن أجعل النصوص المقتبسة في هذا الكتاب متميزة عما سواها، وأن أبقي عليها دون تعديل كما هي حالها في الأصول المطبوعة، وغايتي من ذلك أن يميّز القارئ بين مستويات التحرير والترجمة في الكتب التي نقلتُها منها.

وأنت بعد ذلك، أيها المطّلع على هذا الحديث، لا تخشَ أن أُفسد عليك بهجة هذه الأعمال، أو أن “أحرقها عليك” كما يقولون في هذه الأيام، فلا “آنا كارنينا” يمكن اختزالها في أنها امرأةٌ وقفَتْ متعجّبة من حالة انتحار وقعَتْ على قضبان القطار، ثم آل بها الأمر إلى أن انتحرَتْ بالهيئة نفسها، ولا أنت تظن أنّ “دكتور زيفاجو” تتلخص في أن تقول: “إنه طبيب، وشاعرٌ عاشق، غرّبته الحرب العظمى، وأودت البلشفيّة بشبابه وإبداعه وحبّه، حتى خرّ صريعاً لليدين وللفم”، ولن يقنعك أن يقال لك: ما قصة يوسف وإخوته وأبيهم يعقوب إلا حكاية صبيّ صغير غدر به إخوته وباعوه عبداً، ثم اضطُرّوا إلى أن يلجؤوا إليه صاغرين بعدما أصبح ملكاً متوّجاً، وقل مثل ذلك في كلّ ما هو من جنس هذا الباب.

هاهنا نصوص وشخصيات وسِمات، شموس وأهلّة، تبزغ في سماء قارئٍ قضى في حدائق السرد شطراً هو النصف من عمره، إن لم يكن قد قضى فيها شطريه كليهما.

*من مقدمة الكتاب، وصدر عن دار ميلاد، عام 2018م.

اظهر المزيد