أشباح المطر القيامي تقتحم روحي

قراءة في رواية هدام لفهد الفهد

 

(ظننتُ أنّي سأُمضي كل وقتي في القراءة… الكثير من الكتب لا تَملك رفاهيةَ قراءتها ومدينتُكَ مدمَّرة).

(الموتُ يحوم فوقَ رؤوسِنا في كل لحظة ولكننا مع ذلك نجِد شيئاً نتقاتل عليه).

(على ماذا تتقاتل هذه العصابات… يتقاتلون على طبيعة المطر، هل المطر نقمة أم نعمة من الله؟).

**

• في هذه العجالة حاولت إخراج جميع الأشباح التي اقتحمَت روحي أثناء إبحاري في أمواج رواية هدام للروائي الشاب فهد الفهد.
• اتجهت بعض القراءات التي كتبَها بعض المراجعين إلى رواية هدام اتجاهاً غريباً، فتعامل بعض هؤلاء مع العمل وكأنهم يقرؤون لطالب متدرِّب لديهم في ورشة للكتابة، مع أنني من خلال قراءة العمل أُصبتُ بالهيبة، لأنني وجدت أنني أمام قارئ موسوعي لا يمكن أن يكون غير مطلع على شتى تقنيات السرد.
• سبقت رواية أخرى بعنوان (الهدام) وكتبها موسى النقيدان، سبقت هذه الرواية إلى عالم النشر، وصدرَت عن دار طوى، وقد قرأت تلك الرواية قبل قراءتي هدام الفهد، ولدي بعض الإشارات التي يستدعيها أن الشيء بالشيء يُذكر، فمن ذلك أن رواية النقيدان مؤرخة (تأريخ النص) بعام 1422هـ وهذا دفعني إلى التساؤل: هل أراد النقيدان، الذي نشر العمل بعد ذلك بستة أعوام، أن ينبهنا على أن روايته سبقت رواية يوسف المحيميد (الحمام لا يطير في بريدة)؟ التي صدرت في زمن متقارب مع روايته؟ احتمال مرجوح.


• تميزت (الهدام) للنقيدان بأنها مادة خام لرواية استثنائية، يصور فيها الحفرة (بريدة) بسرد مترع بالواقعية السحرية، في ملحمة هجائيّة لم أقرأ مثيلاً لها، لكن رواية النقيدان – ويا للأسف – لم تُكتب بلغة عربية، بل هي أشبه بنص عامي لكاتب عامي يحاول بمجهوده الذاتي تحويله إلى سرد فصيح؛ وبهذا تحولت رواية النقيدان إلى مايشبه على طريقة ضرب الأمثال محاولة تشكيل قصيدة عامية بديعة بعلامات إعراب فصيحة ثم إلقاءها على الجمهور، كان عملاً استثنائياً، لكنه عولج معالجة سيئة، كما أن دار (طوى) التي تبنّت الرواية ومن بعدها (مدارك) لم تراجعاه أصلا؛ بسبب كسلهما المعتاد؛ ومن هُنا يُتوقع – وهذا توقُّع محض – أن رواية النقيدان (الهدام) سيكون لها حظ أكبر لو أنها تُرجمَت إلى لغات أخرى بعد شيء يسير من التحرير، لأن العيوب الأسلوبية والصياغية والأخطاء اللغوية التي احتشدت بها ستكون غائبة عندئذ، لا سيما أن مضمونها الحكائي وحبكتها ذات أصالة وفرادة واضحة.


• إن هدا دفعني إلى التساؤل: لماذا اختار كاتبنا فهد الفهد أن يضع عنوان (هدام) وسماً لروايته، مع علمه بوجود رواية تحمل العنوان نفسه؟ هذا سؤال حيّرني، فروايته لا تشبه رواية النقيدان إلا في استعارة حادثة الهدام، وكان بإمكانه أن يختار عنواناً آخر، لكنني بعد تأمل اقتنعت باختيار المؤلف. وكان سبب اقتناعي باختياره هذا العنوان لروايته هو أنه يريد أن يقارن بين هدامين، هدام قديم، وهدام محتمل، وبهذا أصبحت الرواية من وجهة نظري تنتمي إلى عائلة روايات (ماذا لو) وليس إلى روايات المدينة المنكوبة (من وجهة نظري)، لأن في الاقتصار على هذا الأمر تقليلا من قيمة العمل. تانك النقطتان السابقتان استلهمتهما بعد تأمل، وبعد قراءتي مراجعات تناولت الرواية، مع أني أكرر أن بعض المراجعات ظالمة، بسبب أنها كانت تطالب الكاتب بتلبية رغباتها، مثل تقديم شخصيات متحررة! أو إعطاء مجال أكبر لشخصية المرأة! أو تحويل الرواية إلى عمل مطول! وكأنه متدرب لديهم في ورشة!
• لا أستطيع أن أنكر أن العمل ربما احتاج إلى مزيد من الاهتمام بما يجري في نفوس أبطاله، أو مزيداً من التفاصيل الإنسانية المثرية، لكن ذلك لا يصل إلى حد أن أحوّل قراءتي إلى محاولة تشكيل العمل وفقاً لرؤيتي ليشبه رواية غربية أو فيلما هوليودياً مستحقاً للرضى. كما أنني لم أستطع أن أحكم على دقة وقائع رواية الفهد فيما يتعلق بعلم نفس الكوارث ونفسيات الجماعات فيه، ولا على مستوى دقته كذلك من حيث التفاصيل البيئية، والأمراض، والعسكرية، ولكن هذا الأمر نفسه يحصل لي مع أعمال مقروءة ومرئية مشابهة. وفي الوقت نفسه كانت تنتابني بعض التساؤلات حول كيفية تحول مجموعات من المواطنين العاديين بهذه السرعة، ودونما نموّ كافٍ، إلى مايشبه كتائب عسكرية مدربة خبيرة بالقتال، كما أن تفاصيل طريقة خوض المعارك بالهراوات والرماح والسيوف في مدينة حديثة (ألا تذكرنا بالرياض) ظلت غائمة، لكني استخدمت خيالي في ترميم الوقائع الغائبة. تلك هي طريقة القراءة التي أراها مناسبة، وهي أن يحاول القارئ ترميم الوقائع الغائبة بالخيال في الأعمال التي لا يمتلك القدرة على التأكد من تفاصيلها، ويحضرني أن بعض القراء الذين يبالغون في نقد هذه المواضع لو حاولوا تصوير هذه المشاهد فلربما عجزوا عن تصويرها بأفضل مما صورها به المؤلف.


• ثمة عدد من الأعمال السردية التي يمكن رصد بعض أجوائها لدى فهد الفهد في هدام، سبقني بعض المراجعين إلى الإشارة إلى بعضها، ومن هذه الأعمال رواية العمى لجوزيه ساراماغو، ورواية أخرى له لا أظن أن أحداً أشار إليها أثناء مراجعته عن هذه الرواية وهي انقطاعات الموت، ومنها عمل مهم للإسباني ثيلا، وهو (لحن ماثوركا على ميتَين)، وهو عمل مرتبط بالقتل والثأر والانتقام تحت زخات مطر دائب لا ينقطع. ومن تلك النصوص أيضاً مونولوج إيزابيل الذي استخرجه ماركيز من رواية ١٠٠ عام من العزلة ونشره على حِدة، وقد كتب عن ذلك في إحدى مقالاته. كما أن من الأعمال التي تعرضت لأجواء مشابهة أعمال وليام فوكنر، ومنها على سبيل المثال: النهر العجوز، وبينما كنت أرقد محتضرة.


• أما الإصدارات السينمائية التي تتقاطع مع هذا العمل، فحدّثْ عنها ولا حرج، لكن من أهمها كما لا يجهل الجميع: عالم الماء، والطريق، وبعد 28 يوماً، وغيرها.


• كما نستطيع أن نرصد في الرواية أطيافاً من المشاهد التاريخية والمعاصرة: فتوح الإسلام، حروب الخوارج، الصراع العربي الإسرائيلي، داعش والنصرة، داعش والجيش العراقي… إلخ، وعلى سبيل المثال: هذا مشهد من كتاب مصارع الأعيان لمصرع القائد الخارجي شبيب، وهو يشابه مصرع القائد أديب في رواية هدام.


• إن هذا كله يدل على الثراء المعرفي والموسوعي لدى الكاتب الروائي فهد الفهد، ويدل على أن مفاتيح النص كانت بيده في أثناء كتابته النص ومعالجته، وعلى أنه استخدم مصادر عدة: مصادر بيئته الأصيلة، ومصادر أدبية وفنية عالمية، ومصادر تاريخية قديمة ومعاصرة، وهذا من أسرار تميّز عمله وصدقه؛ فقد لقد عالج العمل بفنية عالية ما يصفه بعض السياسيين العرب بـ(الخصوصية) في العالم العربي والإسلامي، وهو أنه حالما يحدث فراغ سيادي في منطقة ما فإن ثمة تشكيلات كامنة ستبدأ في التشكل، وتعتقد بأن لها الحق المقدّس، وأن البشر الواقعين في ظل نفوذها أمام خيارين: إما الانضمام، وإما الموت.
• ومع معالجة الرواية هذا الأمر فإنها لم تقع في المغالاة الأيديولوجية، كما لم تحاول التظاهر بأنها ذات طبيعة رسالية، لم تحاول أن تبكي الإنسانية أو أن تتغنى بالحريّة، ولم تكن تدّعي أن الحبّ قادر على كل شيء، ولا أن الإنسان قادر على أن يحقق مصيره بنفسه، ولا غير ذلك من القوالب الجاهزة. وهذا الأمر منح العمل مزيّة الأصالة الذاتية، وصبَغه بلون الحياد الطبيعي، والانحياز في الوقت نفسه للوقائع الافتراضية ورصدها، في عالم سردي متعدد الأصوات (الأخبار، الإشاعات، الخُطب، النقاشات، الكتُب، المنشورات الجدارية).
• وأخيراً…
لقد تسلل من الرواية إلينا شغف المؤلف بالقراءة، عبر خوض ثلاثة من أبطاله عوالم المكتبات والقراءة، رغم مصيبة النكبة الحائقة بالمدينة وأهلها…
• كما لا يفوتني أن أدعو المؤلف ودار النشر إلى مراجعة العمل لغوياً وأسلوبياً جيداً قبل إعادة طباعته للمرة الثالثة…

اظهر المزيد