وحيد يقتل زوجته – قصة

عبدالواحد الأنصاري

عندما أطلق وحيد النار على رأس زوجته كان يستحضر كل اللحظات السعيدة التي جمَعَتْهما، مهلاً! لم يفعل ذلك بدافع غيرة أو غضب أو شرف، ولا بتأثير اختلال أو مادةٍ أو عقارٍ ما، ولا إكراهٍ، ولا مكيدةٍ مدبّرة، ولكنّه أمرٌ لا بدّ منه.
وضع إصبعه على الزناد، وأطلق..
تذكّر انحناءة ظهرها الطفيفة حين كان “يهزئها”.. تذكّر اعتذارَها إليه حين يكون هو المذنب.. وابتسامتها اللطيفة حين تعود إليه بعدما يكون هو الذي بدأها بالهجران..
كانت دماء قديمة تُضخُّ في عروق وحيد: دمُ رجل كان ينام إلى جوار طفلته الرضيعة ثم انقلب على بدنها وواصل شخيره وأوصالها ترتعش بآخر أنفاسها تحت ثقله.. دمُ سيّدٍ أصدر أمراً حاسماً لعبدِه العُتلّ الجبّار بأن يحفر بئراً عميقة، وحبَسه في الجبّ ثلاثة أشهر وليس في يده إلا مطرقة ودلو يرتفع منه التراب ويهبط فيه ذَرور من الزاد وجرعات من الماء مرتين في اليوم، وعندما بلغ مراده قال:
– كسرتُ الصخرة يا عمّ.. لكنها فطَرت قلبَي.
ومات.
وانقضّتْ على الجُبّ في جوف الليل طيور قادمة من كهف بعيد فُتحَت فوّهته للتو، ومنذ ذلك الحين، أي: منذ عقود عديدة، لا تزال تفوح من البئر روائح صديدية تنفّر منها الرّكبان وتطرد عنها روّاد الفلوات.
كان جميع الأزواج في العالم قد استيقظوا في صبيحة ذلك اليوم البارد الملبّد بالغيوم، الذي رُشّت فيه كل ساحات المدينة بالأنداء… استيقظوا وهم يفكّرون جميعاً في قتل زوجاتهم.. ولم يكن وحيدٌ وحيداً بالفعل كما قد كان يظن.
نزل الرجال المتزوّجون في مشهد كيوم القيامة وكلّ واحد منهم يجرّ امرأة ما من شعرها إلى عمود كهرباء، أو جدار، أو مقدمة حافلة، أو شفا حفرة، أو جسر معلّق أو غير معلّق، أو رصيف طريق سريع تمرق فيه العربات كالخيول الثائرة، والمدينة تتألق بالأضواء وتؤزها فرقعات الألعاب الناريّة والدعايات.. وكان وحيد الذي يعيش في عالم حقيقي غير خيالي مستغرقاً في حومة المجزرة.. هائماً في نشوة الجموع.

منذ ذلك الحين، أي: منذ عقود عديدة، لا تزال تفوح من البئر روائح صديدية تنفّر منها الرّكبان وتطرد عنها روّاد الفلوات

أطلقَ النار، فلطّخت الجدار الأبيض خلف رأس زوجته المحدقة في الفراغ بقعةٌ عشوائية غير منتظمة، وسال على أديمه نحو الأسفل بُصاقٌ ثقيل من مخاط دماغها، وفي غمضة عين تدلى رأسها وسقط على صدرها، وارتطمَت مقعدتها بالأرض، وساد سكون جزئي، وتَصَادَتْ عن الأرجاء طلَقات مؤيّدة وأصوات ضربات مكتومة، وظهرَ مِن مدخل أحد المنعطفات رأسا كلبين حائرين يستجليان الموقف.. وعاد وحيد أدراجه صاعداً المرتفع التضاريسي الوحيد في الحيّ كله ليصل إلى بيته عبر مسالك ملتوية وغير مباشرة.. وفي رأسه تطنّ كالذباب سيرة قديمة مبهمة.. وأنباء غير مؤكدة.
قد لا نشعر بالسعادة ولا بالحزن، لكن لا بد من أن يظل شيء يعتصرنا، شيء كالحنين، غصةٌ ما، كل ذلك ممكن، لكن لا شيء من ذلك يشبه ما شعر به وحيد، لقد شعر بأنه قريب جداً من إدراك دافعه هو على الأقل، قريب منه جداً ولكنه لا يستطيع الإمساك به، ثم لجأ إلى الاستسلام للاقتناع بدافع هو أقرب ما يمكن إلى تفسير وضعه، كان ذلك الدافع الأقرب هو: أنه قتل زوجته لأنه كان يودّ فقط أن يَسألَ.. كان يود فقط لو يجِد شخصاً يستطيع أن يسألَه.

لنتركْ وحيداً الآن ولنسأل أنفسنا: بقطع النظر عن تخيلاتي الكتابية المرعبة السابقة والآتية، ما الذي قد يدفع الآن رجلاً طيباً مثل وحيد إلى جندلة زوجة طيبة ووفية؟
لنخيل بعض المصادفات التي يمكن لها أن تحصل في أي ركن من أركان هذا العالم المائج:
– فوجئ طبيب الأسنان وحيد بفتاة شابة مكتملة الأسنان تدخل عليه وطلبها الوحيد خلع أسنانها جميعاً، وخرجت الفتاة ودخل طبيب أسنان غريب بدعوى أنه يريد منه أن يحشو له حشواً معدنياً، وخرج الطبيب الزائر ودخلت أنثى نعام تريد أن تشدّ تقويم أسنانها، وخرجت أنثى النعام ودخل رجل عجوز يريد تنظيف أسنانه من الجير، وخرج الجيري ودخلت خادمة سقط أحد قواطعها الجانبية بفعل لكمة من ابن سيّدها، وقيل إنها سقطَت على الدرَج، وخرجت الخادمة ودخل مدير العيادات يريد تنظيفاً وتبييضاً سريعاً لأنه ذاهب إلى مناسبة مسائيّة، وخرج المدير ودخل شاب لطيف لا يريد شيئاً محدداً، وخرج الشاب اللطيف الذي لا يريد شيئاً ودخلت امرأة ومعها صبي ذو خمسة أعوام قد اسودّت أسنانه جميعاً ولا يمكن أن يفيده أي شيء في الوقت الحالي سوى الانتظار، وخرجت المرأة بعد أن وجّهت إلى الطبيب وحيد بضع شتائم، وانقضى الدوام فعاد إلى منزله، وأقبل على ابنه المراهق يساعده في حل القطوع الناقصة، وفور أن اقتربت منهما زوجته وانحنت عليهما سدّد إلى عينها اليمنى طعنة غائرة بالفرجار تحت وطأة ما يشبه طفرة كهربائية نسبتها واحد في المليار، وعلى مرأى ومسمع ابنها الطري الذاهل، ولم يكن وحيد طبيب عيون على كل حال.


احتمال لمصادفة أخرى:
– اشترت امرأة كلباً بعدما أقنعت زوجها وكيل الرقيب وحيد، الذي كان يشك في أن البائع سرقه من صاحبه الأصلي بما يشبه التخمين، ودخل الزوج متأخراً آتياً من الاستراحة بعد صكة بلوت، فعضّه الكلب، وفي فورة الغضب سحب مسدّسه عليه، فحاولت الزوجة الطيبة المهووسة أن تمارس حنانها الحضاري مع الحيوانات، وحالت بجسدها الكريم بين وحيد والكلب المسروق العضّاض، فعبرت الرصاصة لهاتها وسط تفوّهها بكلمة “حرااام”، وبعد أقل من ٧٢ ساعة أدرك وحيد متأخراً وامرأته لا تزال مستلقية على سرير التشريح جثةً هامدة أن البائع قد غشهما فعلاً، ولكن الكلب لم يكن مسروقاً، بل هو كلب ضال وغير قابل للترويض.

مصادفة ثالثة، ولكنها قصيرة جداً هذه المرة:
– تورّط وحيد، الكهل الخمسيني الطويل المُجهد، بعد مشاوير ومصاريف كثيرة، في دخول دوّار مزدحم، ولم يستطع الخروج منه، وظل يدور فيه ويدور، وفجأة نطقت زوجته الطيبة الجالسة إلى جواره بجملتها الأخيرة: “ما قلت لك أنك ما تعرف تسوق”؟ فمدّ وحيد يده الطويلة إلى مقبض باب الماركيز الرمادية المجاور لها وفتَحه، ورفسها بأعجوبة بهلوانية إلى الشارع، فدُقَّت عنقُها، وفي أثناء دهشة وحيد وإحساسه بشدّ عضل في يمنى رجليه الشائلة أجهزت على زوجته سيارة عابرة، تحديداً: سيارة دفع رباعي مدمجة خلاّبة سماوية صافية، كانت رنج روڤر إيڤوك جديدة، وتحمل لوحتُها وسماً خاصاً: و ح د ١٢٣.

اظهر المزيد