هوامش لم تجد موضعها في المتن

 

 

– بورخيس هو أشد المولعين بمسائل المطلق؛ فهو من تخيل أن الألف هو النقطة الوحيدة التي يوجد فيها الكون كله. ويمكن عكس الصورة من خلال هذه الرواية بتخيل خط مطلق لا يمكن حده ويمكن للنقطة أن تكون في أي مكان منه، بمعنى أنه لا معنى لوجود النقطة في مكان منه لو كانت نقطة وحيدة، لكن لو كانت بجوارها نقاط أخرى فيمكن لهذه النقطة أن تحدد موقعها منها والعكس بالعكس. وبورخيس لا يكتفي بتخيل هذا الأمر بل هو ينوع عليه ويتناوله في أمثلة عدة مثل قصة كتاب الرمل الذي لا يمكن أن تعود إلى صفحة منه بعد أن تقلبها، ولا يمكن أن تجد الصفحة المفترض أن تعثر عليها بعد قلبك للصفحة التي قبلها كذلك، كما لا يمكنك أن تقف على نهايته ولا بدايته لأنه يتغير باستمرار، ما يحيلنا مرة أخرى إلى فكرة احتواء المحدود للاّمحدود، لا كفكرتنا التي تنقل وجود المحدود في اللامحدود. وكذا في قصة النمور الزرقاء التي ليست سوى ثلاثة ومع ذلك فهي تتكاثر دونما نهاية عندما تقع على الأرض ما يمكن أن يسبب كارثة حسية أو من شأنه أن يغرق الكون بهذه النمور، عامة أنا أتكلم من ذاكرتي لا من مذاكرتي، ويمكن للمعلومة أن تكون محورة، ولكن حتى لو كانت محورة فهي مأخوذة من بورخيس، ومن حق الفضل أن ينسب إلى أهله.

***

 

– كان في الإمكان كما أشار علي أن تسمى الرواية: يهيم مقطوع الرأس، لكنه قدم على ذلك اعتراضاً سائغاً. إضافة إلى أنني أشرت في موضع آخر من روايتي السابقة إلى عنوان مشابه هو: الوقائع المصاحبة لانفصال رأس ميم، أو شيئاً مشابهاً لهذا العنوان، كما وقفت على رواية أخرى لتابوكي إن لم أكن واهماً بعنوان: رأس داماسثنو الضائع، والكارثة الكبرى أنني لو اخترت العنوان المقترح لتورطت فيما لا تحمد عقباه، إذ كنت أتصفح فهرساً لعدد من المؤلفات الروائية، وإذا بي أجد بينها عنوان: رأس مقطوع!

ولهذا السبب تباعدت عن الفكرة نهائياً وكأنها عقرب لادغة، ولجأت مباشرة إلى وصف الموضوع بما يتلاءم مع تصوير علي له. ثم إن الرأس المقطوع لا يليق بهذا العمل عنواناً، بخاصة أنه يعقب مباشرة عملاً  سابقاً لي عن يد مفقودة، فعنوان كهذا بعد عنوان كذلك قد يصرف اهتمام أي قارئ لديه استعداد مسبق للشعور بالملل.

***

 

– يتحدث عَليّ عن حبه الغريب في العشرينات، الحب العذريّ الذي لم يدنّسه ولو بمعرفة اسم حبيبته، لقد خابت نظرته في المرأة بدءاً من تسبب طفلة صغيرة في تلويث ملفه، ثم خابت نظرته مرة ثانية عندما تخلت عنه هذه الحبيبة واختفت في طيات النسيان. ولا يزال يتذكر نصائح العابثين التي تقول: اتخذ لك صديقة، ما دام لها حبيب أو زوج. فإذا هجرها زوجها أو حبيبها فاهرب منها، لأنها سترتمي عليك! وبعد اختفائها ظل علي يفكر: إذا كانت هذه المقولة على حق فقد كان لحبيبتي خدين تتردد عليه في تلك الأيام، لأنها كانت تلقي على صدري بالزفرات حافية، فيا ترى:

هل كانت تمضي بعد افتراقنا إلى من يطأ رقبتها؟ ربما بعدما وطأ خدينها رقبتها وأنهى ما بينهما، فإنها الآن، بحسب هذه النظرية، مستعدة لأن ترتمي عليّ. هذه معادلة تناسبني، لكنها تحتاج إلى إمكانات للبحث والعثور على المبحوث عنها. لكن ذلك كله لم يكن سوى أوهام عشرينية، أفاق منها علي بعد ذلك على صعوبات الحياة الحقيقية، وانتهى به الأمر إلى ما آل إليه.

 

 

***

 

(الهوامش من رواية: السطر المُطلَق)

اظهر المزيد