محاولة اقتناص المغزى الضائع

كان المنزل خاوياً، ولم أكن مشغولاً بأكثر مما أنشغل به في العادة عندما اتصل بي صديق (هو صديق غير حميم، لكنه طيب، ليس قديماً، ولا جديداً كل الجدّة، والأهم أنه كان قد تجاوز قنطرة اختبار الأصدقاء. توثقت اللقاءات بيننا بعدما كانت معرفتنا سطحية، حين كان يجلس معي في أيام البطالة، التي سبقت عملي الحالي، لنشاهد الأفلام السينمائية المحمّلة من مواقع مثل التورنت) وقال لي:

–  وينك؟

– …..

– أنا في الطريق.

– ……

–  عندي فيلم يهمك جداً.

كان مجرد اتصاله بي من أجل أن أشاهد يعني، في لغتنا الخاصة، أنه عملٌ رائعٌ يستحق المتابعة. وبعد ما لا يزيد عن ثلث ساعة أوقف أمام بابي سيارته وفتح نافذته وناولني الفلاش ميموري، وحرص بشدة على أن أنسخه إلى جهازي وأعيده إليه فوراً، واعتذر عن الدخول بمشاغله الخاصة. كل ذلك كان من شأنه إسعادي؛ لأنه يزيدني ثقة بأهميّة العمل الذي أشركني في متعته، وقبل أن يرفع زجاج السيارة المكيفة مغادراً قال لي:

– أهمّ شيء أن فيه لقطة استثنائية مفاجئة جداً، تصادفك في العمر مرة واحدة.

قد تبدو لك هذه البداية الباهتة مملة، لكن الحقيقة هي أن ريقق تحلّب تحت هذا الضغط، وأول ما بدأت به أن ولجت دورة المياه وفرّغت جوفي تماماً، ثم سحبت من درج المطبخ الألمنيومي كيساً من المكسرات، وحملت معي إلى المكتبة ترمس الماء والكوب، وجلست لأتابع. وسرعان ما أدركت أن القضية لا تستحق الجهد، فمن المؤكد أنني حملتُ الملف الخطأ، أو أنه كان مخفياً حين قمت بتحميله، فاتصلت به وأخبرته، وسألني عما رأيتُ، فقلت:

–  طفل وقرد، يدخنان، وجهاً لوجه.

أطلق ضحكة عارمةً منتعشة بكل قواها، وامتدح اختصاري، وجزم لي بأني لست مخطئاً وأن الملف هو الملفّ لا سواه. ثم سألني مقرراً: هل تشك في ذوقي؟ وبالطبع لم يكن لي ذلك، لأن ذوقه عالٍ جداً بالنسبة إليّ. فقال: لن أحرق عليك متعة الاكتشاف بنفسك.

وأقررته على ذلك.

عدت أشاهد، ومرّت دقائق طويلة شارفت على العشرين والمشهد نفسه لا يتغير: الطفل يدخّن، والقرد يدخن، كلاهما جالسان، وجهاً لوجه.

وساورتني نفسي أن أتصل به ثانية، إلا أنني خجلت وخشيت أن تفسد عليّ عجلتي، كما قال، متعة الاكتشاف.

  طفل وقرد، يدخنان، وجهاً لوجه

مرت الدقائق تباعاً وأنا أتململ؛ لأن كل شيء بقي على حاله، وبدأت أحدس أن في هذا الحاصل مزحةً ثقيلة، وهو في العادة أول ما يتبادر إلى خاطري في مثل هذه المواقف، غير أنني استبعدت ذلك بسبب الجديّة العالية والحرص اللذين اتسم بهما موقف صديقي. ومر بخلدي أن مشكلة المزحات الثقيلة أنها قد تتغلف بنوع من الجدّيّة والحرص لإخفاء جريمتها الكاملة. لكنني لم أعوّل على هذا التفكير كثيراً؛ فإذا كان هذا دعابة فقط فهو هيّن، وهي ليست مؤذية على أي تقدير. حتى إنني توهمت سماع صوت طرق للباب فقمت وفتحته ورجعت، وأعدت الثواني التي فاتتني إلى الوراء. وعندما رأيت الصورة تتجه عكساً هجس في صدري: ربما يُراد مني أن أتابع بالارتداد القهقرى. ولم يتغير شيء ذو بال، سوى أنني افتقدت الأصوات. وما دمت أشرت إليها فعلى خلاف ما يمكن توقعه: كانت الأصوات منهمكة وتأتي من خارج الكادر، حناجر أناس بالغين مشغولين بالجدال في أشياء يبدو أنها يومية، لأن اللغة ليست مفهومة وأنا في غنى عن ذكر أن الفيلم ليس مترجماً، رغم أنها إما آسيوية أو لاتينية، والأقرب أن تكون الأولى؛ لأنني لم أسمع مخارج الحروف التي اعتدت سماعها في الحديث باللاتينية. كانت تصل من الكبار خارج الكادر، على ما يبدو، عبارات منشغلة تتعامل مع ما يجري وكأنه لا يعنيها، أو كأنه أمر معتاد جدّاً إلى درجة أصبح معها أقرب إلى فكرة أن قطة تتحرك في المنزل. وفي الكادر يجلس الطفل قبالة القرد، كما ذكرت، بروفايلهما أمامي، وهما يدخنان: القرد عارٍ، طبعاً، والطفل أسمر، بدين، عاري الجذع، يجيد بعض الكلمات، لكنه يعاني قصوراً ما –لا يمكن تحديده على أي حال- وهو إذ يدخّن السيجارة البيضاء بحِرَفِيّة عالية ويخرج الدخان من فمه وخياشيمه، أو يمسكها بطرفي إصبعيه، السبابة والإبهام؛ يفعل ذلك دون مبالاة، ربما مفكراً في شيء بعيد كل البعد عما حوله، لكنه غير منخرط في التفكير أيضاً، وهو غير مهتمّ أو مكترثٍ لا بتدخينه ولا بالقرد الذي يدخّن أمامه أيضاً. وهذا ما ساقني إلى تساؤل: إذا لم يكن عابئاً به فهل الآخر يقلده؟ هل يعني ذلك أن القرد يقلد الطفل؟ أم أنني أفكر بالعكس انطلاقاً من رؤية استعلائية تفترض تفوّق جنسها؟ ولو صح ذلك، فماذا لو توقف القرد عن التدخين؟ هل سيتوقف الطفل؟ هل تربط بينهما علاقة تلخص عبث النشوء والارتقاء، أو سمات أصلية أبدية متّحدة؟ هل بينهما تراسلات متبادلة ممتدة أو دورٌ مَعِيّ أو ديالكتيك، بحيث تقوم حركة أحدهما على حركة الآخر والعكس فيخرج من مزيجهما هذا المنتج الغريب؟

كانت الأصوات منهمكة وتأتي من خارج الكادر، حناجر أناس بالغين مشغولين بالجدال في أشياء يبدو أنها يومية، لأن اللغة ليست مفهومة وأنا في غنى عن ذكر أن الفيلم ليس مترجماً

أوشكت أن أوقف الفيديو المستمر على النهج الذي بدأ به دون أي تغيُّر يذكر سوى في حركة القرد ذات اليمين وذات الشمال أو تعديل الطفل السمين جلستَه، وتناوله السيجارة من يمناه إلى يسراه ونفضه رمادها. وطرأ لي أن صديقي ربّما اتجه إلى نوع آخر من الأفلام، وانضمّ إلى فئة المهتمين بالمشاهد الغريبة لمحاولة استخلاص المتعة منها، وهو توجه يدل على تغير حادّ في الذوق، قد ينبئ عن وعي وعمق كامن أو انحراف حادّ، أو ردة فعل للتشبع من الأفلام لا أقل ولا أكثر. وسنحت لي ذكرى صديقة تعرفت إليها عبر وسيطةٍ لا أعرفها هي الأخرى؛ لأجل أنني كنت أبحث -وذلك في أيام البطالة المذكورة أيضاً- عن شخص يساعدني على اختيار الأفلام الجيدة لتحميلها، ولتبادل الآراء عنها. وكنت أنام آنذاك وأصحو على الأفلام، وعينِي وذهني يعملان مع عمل أسناني ولهاتي حين آكل وأشرب، بل كنت آخذ المحمول معي لأريح نفسي وأنا أتابعه. وصادفت هذه الوسيطة وحدثتُها عن رغبتي، فأحالتني عليها، وحالما تعرفت إلى الصديقة -أصبحت صديقة فيما بعد- قالت لي:

–  أختبرك بفيلم واحد، وإذا مشى معك نستمر.

وحين سألتها عما هو؛ أرسلت إليّ رابط فيلم سينمائي مطوّل لطائفة فاشية منحرفة جنسياً، تختطف الشبان والفتيات وتعرّيهم وتغتصبهم وتعذّبهم، وتقدم لهم البراز على أطباق الطعام، ثمّ تجبرهم على ممارسة الجنس وتقتلهم خلال فعله، أو تقودهم إلى ساحة الإعدام؛ ليرديهم القناصة أثناء خضوعهم لإذلال الاغتصاب. وهذه الطائفة تقدم على القسوة نفسها مع أي عضو من أعضائها تقبض عليه متلبساً بممارسة أي جنسٍ طبيعيّ. وكان ترجمة الفيلم متأخرة عن تفاصيله، ولا طريقة لمعرفة ما يدور فيه من كلام سوى التخمين. غير أن أبطاله الأشرار كانوا من شخصيات مرموقة في المجتمع، وذوي أساليب أرستقراطية، والضحايا شبّان وفتيات أغرار برجوازيون، تتلقفهم الطائفة من الشوارع، لكي ترى أنت إلى أي مدىً يتمادى الطغيان.

ليس هذا -على أي حال- موضعُ ذِكْر ما آلت إليه الصداقة بيني وبين صاحبة الفيلم، والثمرة من الحكاية هي أنني كنت أستعرض في ضوء تلك الذكرى هذا الاحتمال: أن صديقي ربما أصبح يميل إلى الأفلام التي يحدث فيه نوع استغلال للأطفال والحيوانات، كما هو المنظر في هذا الفيلم الذي لم يجتمع فيه شيئان مثل اجتماع هذين الموضوعين. وقلّبت الافتراض في بالي باحثاً عن تفسير معقول، أو طلباً للّقْطة المثيرة التي نبهني هو على وجودها في الهدية التي مررها إليّ بمنتهى الحرص والجديّة. وهذا ما قادني إلى إشكال أكبر: كيف يمكن لفيلم أفقيّ مكون من أفعال موحدة ومتكررة وصورة لا تتغير، أن يشتمل على لقطة بهذا التميز الذي لا يراه أحد في حياته إلا مرة واحدة، كما قال؟

غير أني رجعت وقلتُ أيضاً: لا يشترط في الحدَث المتكرر أن يكون خالياً من الإثارة على مدى تكراره. وضربتُ لنفسي مثالاً بتدفق الشلالات، وبغروب الشمس، وطلوعها، وتحريك الريح أشجار الحدائق. غير أن الإجابة لم تكن مقنعة؛ لسبب واضح جداً، هو وجود المبحوث عنه، لذاته، في تلك الأمثلة وانعدامه في هذا المثال الذي أمامي. وفي أثناء ذلك التجوال الدماغيّ العصيب نفدت بطّاريّة المحمول على حين غرة مني؛ فتوقفَ كل شيء فجأة، ودفعة واحدة، وكانا لا يزالان، أي: الطفل والقرد، وقبل الانطفاء، يدخّنان، وكأنهما شخصان يُجرِيانِ محادثةً صامتةً بالتخاطر في مقهىً وهما يجتذبان أنفاس الشيشة، لولا أن كليهما لا يبدو منه أنه مهتمّ بالآخر. وفي الظلمة الجزئيّة التي احتوتني بعد انطفاء الشاشة، بعدما اعتادت عيناي المنظر الجديد،  رأيت شبح وجهي المنعكس على زجاج الجهاز، وقد بدت عليه علامات الإجهاد والحيرة التي انتابته منذ وقت ليس بالقصير وهو يحاول اقتناص المغزى الضائع.

اظهر المزيد