رخويّات

 

تجاوزت الصالة وقد استغرقت حليمة في مساعدة أمي في تطريز مخدة قديمة بالصوف، وهما تتحدثان بتخافت، وانتابني السرور إذ وجدت شذى مستغرقة في مشاهدة الكارتون، والأمر الذي سرني أكثر أني تأكدت أنها لم تنل أخاها الصغير اليوم بسوء؛ لأنه نام قبل أن أجيء ويبدأ بالشكوى.

كنت قد عبرت الشوارع الخلفية للحارة إلى هذه الشقة، بعد أن قطعت الدرب العام: عبرته والمتاجر كلها مقفلة تغشاها الظلمة؛ فأحسست في هذه الليلة بالذات بهذه الجمادات متواطئة معي، وأنا بطبيعتي لا أتصف بالإطراق ولا غض الطرف، لذلك عددتها نعمة سماوية، كم كنت سأغرق في التفكير في خلو جيبي لو مررت من أمامها واحداً واحداً وكل متجر منها يخلّف توقيعه الخاص في ذاكرة العين.

قضيت هذه الليلة إلى مشارف منتصف الليل عند عبد الجبار، وكنت من فقدان المزاج في حالة تسمح لي بالإغضاء عن ابتسامه لضيفه حينما عرفا أني جهلت، بغباء فاضح، نوع الطعام الذي كنا نأكله على العشاء؛ وتفوهت بظني أنه من المعجنات، وعندما أخبراني أنه من الرخويات البحرية لم أرسم على تجاعيد جبهتي النظرة الدهشة التي يتطلبها الموقف مني أمامهما؛ لأني كنت مبلبل الفؤاد، وبعدها نسيا القصة وراحا يثرثران في السياسة كثيرا، كعادتهما، ثم انحرفا للحديث عن شوارع مدينة سياحية خارجية زاراها في الربيع ونعِما فيها بالمشي متلثمَين في العواصف.

وعندما أخبراني أنه من الرخويات البحرية لم أرسم على تجاعيد جبهتي النظرة الدهشة التي يتطلبها الموقف

قدمت لي حليمة طبقاً من المعجنات المسكَّرة فأخذته ألوكه وهي تلتهم نصيبها؛ وهذا أشعرني بالخجل لامتلاء معدتي بالأطايب، وبدا الفرق جلياً عندها أتم الجلاء بين المعجنة والرخوية المشرنقة بالدقيق، وعقدت عزماً داخليا على ألا أتناول العشاء مع عبد الجبار ولا غيره حتى تمر هذه الحال بسلام.

الطفلان ناما على جانبي السرير بعد أن تجاوزتني حليمة يمينا وشمالا وأنا مستلقٍ على ظهري لتتأكد من تغطيتهما تماما، وبعد أن اكتسب جلدها حرارة جلدي أخبرتني أنها تنوي بيع الأسورة لأنها:

– لا تفيد الآن إلا كفائدة الطاقية بلا حذاء.

ظللنا نثرثر طويلاً وقدمي اليمنى تلمس السرير خلف جسمها الصغير إلى أن اكتسبت بطانيتنا الكبيرة رطوبة حارة من عرقنا؛ حينها فقط أخبرَتني بعفوية أن أمي حاولت البارحة إقناعها بهجري؛ لعلّ ذلك يجبرني على التخلّي عن تقاعسي والبحث عن عمل.

اظهر المزيد