التجخية

في القاع السحيق من الفنجان رأيتُ رجلاً ينزلق على الخزف الأملس كلّما حاول الصعود.

أمعنتُ فإذا ذئابٌ ذاتُ فروٍ كثيفٍ تعوي محدقةً به.

ألقيتُ عليها حفنة تراب ونفختُ فيها زفرةً فتهاوَتْ كأنها صرعى.

تقدّمَ الرجل بحذر ثم مطمئناً ثم بخُيَلاء، وباشَرَ سلخ أحدها -وهي تنظر منزوعة القوى- واتخذَهُ معطفاً، ثم انتقل لآخر.

وضجّتْ عيونُها ضراعةً.

جذبتُ شهقةً فتقهقرَ فزِعاً حتى سقط على ظهره، ونهَض ينفضُ عن فِرائه الغبار.

وتركتُه يجرّ طريدتَه المسلوخة منسحباً.

أيقظتُ الذئاب، وضربتُ بين الفريقين بسياجٍ مِن نار.

شرع الرجل يَشوي، وناوش السياجَ ذئبٌ له قلب، فاحترق، وجرجره إخوتُه فأكلوه.

وصارت الذئاب تتآكل.

زحلقتُ على جانبي الفنجان حملاناً لها حُبُّ السلام وسجيّةُ الرضا بالموت.

وفي طرفة عين سال الدمُ وماج، فأطفأ النار، وطفَت الجيف، وصعدوا إلى الحواف.

واختلجت في نفوسهم حلاوة الروح والأمنيات الأخيرة، فأقسمتُ أن أحقِّقها.

تمنى الرجل الموت للذئاب، وتمنى الذئاب الموت للرجل.

وتمنّت الخراف لو تموت.

قلبتُ الفنجان مُجَخِّياً رأساً على عقب، تاركاً ورائي السائل الأحمر، سائحاً يتلمّس ملامح وجه الطاولة.

 

اظهر المزيد