حتى أنتَ يا…

لقد كانت الكلمة على طرف لساني، أحفظها جيداً كما يحفظونها جميعاً، لكني نسيتها، إنما لا شكّ أن شكسبير بلغ قمة شاعريّته وهو يدوّن هذه العبارة:

– حتى أنت يا…

من المتحدث؟ آلإمبراطور إسكندر عندما سممه جنوده؟ الفيلسوف سنيكا عندما طعنه بيرون؟ أم قالها إخناتون لأخيه (أكان أخاه أم ابنه؟) توت عنخ آمون؟

لا أذكر، إنما كانت تلك روعة شكسبير في جمالها الأقصى، وهو يرسم في الضوء الكليل، تحت أنواء كانون الأول القارسة، مرتجفاً في غرفته القصيّة…

– حتى أنت يا…

يا جانيوس؟ أم جالينوس؟ كاسكا، أم كافكا، كازياس، أم زيوس؟ الآلهة كثر، الملوك كثر، الفلاسفة كثر، الحرس كثر، وقليلاً ما تمتلك ذاكرة القلب الخافق زمام أمرها، فكيف وأنا أخترق هذه السبيل المظلمة، وليس معي إلا هو، صديقي الذي شغلني بالتفكّر فيه عن كل شيء!

ليس المهمّ أن تبقى هذه العبارة في الذهن أو تنطوي في غيابات الوعي، ولا أنّ جميع من سواي يعرفونها الآن وأنا أجهلها، ليس من المحتّم إطلاقاً أن أبحث في مخابئ الذاكرة عن الياء ثم الواو ثم السين، أو أقف على أطلال الأوليمب أو روما المحترقة، على يد بيرون، يوليوس، جنكيز خان، شارل، فرناندو، المهمّ أن تبقى معي يا صديقي ولو قليلاً، وأن أرى في عينيك بادرة العرفان حين يحين افتراقنا…

– حتى أنت يا…

أمشي بجواره، وتُزاحمني كلمات كليلة مزعجة، أحاول أن أصطاد متى قيلت ولِمن قيلت؟ وعندما أفشل في استجماع نفسي والاستقلال بها، أعود فأحاول أن أستلهم الإجابة من حفيف الشَّعَر فوق منكبيه، صديقي الوسيم، الذي ما رأيته أول مرّة حتى تعلقت به نظراتي، وكأنما كانت تجمعني به، في عالم موازٍ آخر، ذكريات السهر والجدل، عن سبينوزا، وتصفّح كتب خضراء، وليالٍ لا نهاية لطولها، ضحك فيها العود وبكينا، وكأنني كنت أعرفه منذ عهد سحيق…

رأيته متردداً أمام المنفذ المؤدي إلى الغيابات القاتمة، يقف ويخطو، حتى في تردده يبدو أخّاذاً، ومن ذا الذي يستطيع أن يجد في الجمال المتردد مرتعاً للتنقّص؟ لأن تردده يضفي على فتنته سحراً، فتحف به فراشات ملوّنة ويحلق الربيع في عينيه…

أزمعنا اقتحام السرداب الطويل، بجيوب مفرغة إلا من بضع شموع، وكسر من البسكويت، وأخرى من اللوز المقشّر، نخطو وئيداً، أو نتوقف حذراً، نتسارّ قليلاً حول ماضينا، أقول:

– من أين أتيتَ؟

فيجيبني: من حيث الأكاليل تصنع من الريحان، ويرضع الصغار عزة النفس والوفاء من سفوح الجبال، ومن حيث ينبت الشعر على رؤوس الأحرار كما تحس به الآن على منكبي، اقتربْ، شمّ.

ويقترب مني ليعترف لي بحبّ مؤرّق، ويبوح بسر العبور:

إنه يتوق إلى الوصول إلى حبّ مرتقب، ينتظره عند أول بارقة ضوء وراء النفق.

وأسأله:

– من تكون محبوبتك؟

فيقول:

– ستراها حين نصل.

وتحتجب شفتاه المزمومتان قبل أن تنساب بين أحضانهما أذني المتلهّفة…

– حتى أنت يا…

أمام المنفذ المؤدي إلى الغيابات القاتمة، يقف ويخطو، حتى في تردده يبدو أخّاذاً، ومن ذا الذي يستطيع أن يجد في الجمال المتردد مرتعاً للتنقّص؟

وأمام المدخل الذي تودّع فيه الخلايا كلّ ما له علاقة بالنور، وتخترق الروح بظنونها حجب القتام، هناك، في قنطرة الروح المريعة تلك، حدثته وحدثني أننا في حاجة إلى رفيق، إنسان حقيقي يصلح أن يكون أنيساً وقت العبور، وصديقاً إلى يوم الدين، قال:

– لقد نبهوني إلى طول المسيرة، وحذروني من الأشباح المنطوية في الثنيات الغائرة، ومن جماجم قد تخترق بأسنانها أقدامنا فتدميها ونحن نتخبط ونسبح في العمى.

كان يرتعش خوفاً، وكلما ازداد خوفه بدا سحر جماله أشدّ قتلاً وفتكاً، قال:

– يروون أنها جماجمُ لأصدقاء غدر بهم أصدقاؤهم، قتلوهم على حين غرّة، وتركوهم في ظلمتهم أبد الآبدين، لا يتلقّون إلا صرخات العابرين الواجفة حين تطؤهم أقدامهم.

زعمت له أن تلك أكاذيب، وأنني أعرف السرداب خطوة خطوة، وبأنّ عليه أن يكتفي بي دليلاً له…

أيقنت أنه صدّقني، إذ اغرورقت في عينيه الواحتين جنتان من الاعتراف بالجميل، فاكتفيتُ بذلك ضمانة لي للوصول بأمان، وبأنْ لا خوف عليّ من بشر يفيض بهذه الرقّة…

حزمنا حقائبنا، واقتحمنا…

– حتى أنت يا…

تعاظم في صدري لحن هو مزيج من الشجا والسرور، ورحت أغني مغتبطاً:

– اكتفى بي واكتفيتُ به…

المسرب متعرج مهول أَسوَد كحنجرة الغول، صخريّ تتحدر من سقفه الوطيء قطرات ثقيلة، والجدار من الجانبين حجارة بارزة كالرماح، متعرقة بطحالبها اللزجة، وحركة الخشاش ما بين ذلك خفيضة منزوية، ولا تجرؤ اليد على أن تلمس شيئاً، فقد تتعثر في عنكبوت، أو جمّة شعر، أو أي شيء…

لزمنا المنتصف، ومشينا حتى اعتدنا على حياتنا الجديدة، وهدأت حواسنا المتوثبة، ولم يلبث القلق أن خفّ، وصار كلّ منّا يكمل محيطه المفقود بالاقتراب من رفيقه، كنت أتعرف بُعده أو اقترابه من رائحة شعره وأنفاسه الناضحة بالخزامى، ونبض خلاياه المتوهّجة فرحاً، وكأنه وحيٌ يوقظ بشميمه موات الخياشيم؛ وكأنه أحس بالأجواء التي أحلّق فيها، وتبعث في مسامي الجرأة على السير المبتهج، وكأن عينين ثاقبتين نبتتا في ناصيتي فأصبحت بهما دليلاً حقيقيّاً؛ عندئذ سمعتُ انسحاباً في جيب حقيبته، أخرج صورة في الظلمة المتنفسة بشذاه، فبزغ وجهه بدراً في الشمعة، وبزغت الشمعة جرحاً في خده، واقترب مني، وأمامها اعترف لي بِاسم الحُبِّ الذي ينتظره عند منفذ النفق، وسألني، بصدق هذه المرّة، إن كنتُ حقا كما أزعم:

– أحقاً ما تقول إنك تعرف هذا السرداب كراحة يدك؟

فأجبته، بصدق أيضاً هذه المرة،:

  • الحق أنني لا أعرف عنه شيئاً، ولا أدري حتى إن كان له منفذ وحيد، أم منافذ متعددة.

لم يجزع ولم يسخط، بل انتابته معجزة من رضا، تابعتُ آخر آياتها الباهرة وهي تختفي مع خفوت آخر قطرة تسيل من شمعته…

لم ننظر إلى ما تحت أقدامنا أو إلى ما خلفنا، كنت مشغولاً بالتأمل في كيانه الآسر، وسماحته الوادعة، وأفكر في أشياء عابرة تبدي الدفين، وأخرى تستر العلن، في قداسة تعرّف الجمال واصطحابه إلى غايته، في براءة المشي خطوة بخطوة، مع رفيق وحيد، عبر المسرب المخيف كالأبد…

– حتى أنت يا…

سألتني نفسي سؤالاً خبيثاً:

– إنكَ سألته عمّا جاء به إلى هذه المخاطرة، وأجابك، لكنه لم يسألك!

ثم أردفَتْ بخبث أشد:

– ربما أغرته ظنونه بأنكَ جئتَ فقط لتمشي في ظل إنسان مثله.

أجبت نفسي بخبث يفوق مستواها:

– الظل لا يبدو في الظلام.

تراجعَتْ، وسحبتْ مع أذيالها أفكاري المرهقة وهي تهتف بصوت مختنق:

– حتى أنت يا…

ولا أدري أقالت: لوتس؟ أم فينوس؟ لكنني تعلقت بأهداب مسرحية مؤلمة لشكسبير، حتى المسرحية؟ حتى أنت نسيتك؟ أم أقول: حتى أنتِ نسيتني يا رائعة؟ وماذا بقي منها؟ لم يبق إلا ما أحدثَتْهُ فيّ، لقد كنت أقرؤها وأتفكّر: كيف يمكن للألم أن يخلق كل هذه المتعة؟ في قراءتي تلك أخذت أهيم في خيالي بحثاً عن شيء أسوّغ به إنكاري المتعسّف لسادية الذوق الأدبيّ وماشوسيّته…

تبعته وأنا أفكّر: من قالها؟ من؟

– حتى أنت يا…

انحدرت الأرض قبيل مخرج النفق، واعترضتنا أوحال وحراشف نباتيّة مريعة، تقدّمتُ بحذر إلى سَوادِها، أما هو فخاض فيها بلهفة انتحارية جعلته يخرج بثياب ممزقة، وساقين نازفتين، وخرج مندفعاً لا ينظر وراءه، وكأنه نسيني، وأمام المنفذ غشِيَنا الضوء، وكان أول ما التقطته عيناي شيئين: سحباً مبعثرة كالقطن، وفَتاتَه التي تنتظره كما قال…

أما أنا فلم ينتظرني أحد، ولم يستقبلني إلا جفاف الأرض المنبسطة، ففرِحتُ من أجله وحزنتُ من أجلي، واستراح بصَري على حصباء تمتدّ بلا انتهاء حتى تختفي وراء التل الشمالي، وقد أقعتْ الشمس في الجهة الأخرى لتغرُب، فتحتُ أسارير وجهي وأشرعتُ ابتسامتي أخذاً بواجب الصداقة، ورضيت بقسمتي: أن أنتظر حتى يأتي إليّ من يأخذني…

وبسطتُ راحتي لوداعه، لكنه لم يمدُدْ يده، كان قد أخذ بيدها واستدبرني، ومضى بها صوب الشمال البعيد، صعدا التلّة المشغولة بنقوش الحصباء، وفَتاته المفتونة لا تنفك مأخوذةً به وكأنّ جيدها قد تصلّب، منبهرة حدّ العبادة المطلقة:

بوجهه اليوسفيّ الذي تضحك فيه شفتان من الكرز الواثق، بانسياب الهواء إلى خصلاته المخمليّة، وبعينيه اللتين تذكّران بكل أنهار الجِنان، وبأنفاس الخزامى التي تطير لها الفراشات من حوله…

اغرورقت في عينيه الواحتين جنتان من الاعتراف بالجميل، فاكتفيتُ بذلك ضمانة لي للوصول بأمان، وبأنْ لا خوف عليّ من بشر يفيض بهذه الرقّة…

وارتفع الصوت الحبيس الذي كتمته في داخلي:

– حتى أنت يا…

باخت نفسي، واحتقرتُ الهدف الذي أتيتُ من أجله، فتنازلتُ عنه.

أقعيتُ برهة أنتظر مَنْ وعَدَني أن يكون في انتظاري عندما أعبر إليه، ثم شعرت بي أمدّ خطاي عائداً أدراجي صوب النفَق، كما لو أنني جئت بلا هدف غير العودة، ووجدتني أنتظر عند المنفذ، وأستفسر:

– أأنتظر هنا حتى يأتي صديق لا يبذل صداقته إلا من أجل العبور؟ أم أسأل من يطلب مني الصحبة عن حقيقة صحبته؟ أم أمضي وحدي؟

كان السؤال متشعباً، وبدا معه المدخل الوحيد مثل متاهة شرسة ذات تسعة وتسعين باباً، عندئذ تكشّفت لي ذكريات ساطعة في احتضار الغروب الكابي، ونطقَت لي بأنباء الغيب المستتر، بدأت أصدّق حقّاً زعمَ صديقي الوسيم بأنّ في النفق جماجم لأصدقاء قتلهم أصدقاؤهم، وتركوهم للظلمة أبد الآبدين، وتذكرت العبارة وقائلَها ولِمن قيلت، وفي أي من مسرحيات شكسبير أذاقتني الأمرّين والمتعة معاً..

اظهر المزيد