جزيرة الأخطاء الكتابية – مشهد الثلاجة

 

يتحدث مخرج فيلم العرّاب، لكم أن تذكروني باسمه الآن فلست مستعداً للالتفات إلى غوغل، بأن أخشى ما يخشاه من العيوب في عمله هو مشهد الثلاجة: ويصف ذلك بقوله: هو ذلك المشهد الذي يخرجه المخرج سعيداً به، وينبهر به الجمهور ويصفقون، وقبيل الفجر:

 

  1. يصحو المشاهد من نومه وقد أصابه العطش لكثرة ما أسرف في أكل الملهّيات والمقليات، وربما لسبب السهر ليس إلا، وما إن يقف أمام الثلاجة حتى يقول: قِف. فيتذكر مشهداً توجد فيه علاقة خاطئة بين السبب والمسبَّب.
  2. يصحو المخرج من نومه بعد أسبوع وهو سعيد بالقراءات النقدية الرائعة التي توّج بها عمَله، وعندما يقف أمام الثلاجة ليهنئ نفسه بكأس بيرة، وما إن يضع يده على المقبض حتى يتذكر الخطأ نفسه الذي أقلق المشاهِد الذي ألهب يديه تصفيقاً ليلة مشاهدة الفيلم، وتذكّره أمام الثلاجة.

 

الأمر نفسه يحدث معي، وأنا أتحدث أصالة عن نفسي في كتابة القصة، ففي إحدى القصص كتبت (مرابض الإبل) والصحيح (معاطن الإبل). وفي إحدى القصص كتبت (كتاب الورقات) والصحيح (ورقات الكتاب). وفي إحدى القصص كتبت (خساش الأرض) والصحيح (خشاش الأرض).

 

إلى الآن لا توجد مشكلة فهذه الأخطاء يمكن التصالح مع القارئ عليها، ويمكنه أن يحسن الظن بي، ولكن الأخطاء المميتة التي تحصل في العلاقة السببية بين الأشياء هي التي يمكنها أن تقتل عملك. ففي قصتي الطويلة (هل جربت المشي عارياً) قمت بحذف مقطع كامل وهو المقطع ما قبل الأخير؛ لكونه يحتوي على مشهد فيه تصريح بأحد الذين يعزّون عليّ جداً، ولكنني غفلت في تلك اللحظة عن العلاقة الوثيقة بين هذا المقطع والمقطع الأخير، فجاء المقطع الأخير وكأنه متطفل على النص، لماذا؟ لأنني عندما حذفت المقطع الذي قبله ألغيت السبب المنطقي لوجوده، وحصل ذلك سهواً، ولم أتنبّه إلا عندما قرأت مرة أخرى (هل جربت المشي عارياً) بعد ما يقارب عامين من كتابتها! ولا تسأل بعد ذلك عن هدم النصّ وإرجاع المقطع المحذوف وإعادة التحرير.

 

مثال آخر: قصة لعل عنوانها كان: الهجرة عن البلدة الصغيرة، أو ما هو في هذا المعنى:

كتبت هذه القصة قبل أعوام، وكنت آنفاً أتجول في أرشيفي باحثاً عن أي قصص أضعتها أو نسيت نشرها، وبقراءة سريعة لها فوجئت فيها بالخطأ الآتي:

البطل الثانوي في القصة هو رجل عجوز يروي لابنه بعض القصص التي حدثت في طفولته، ليثنيه عن مغادرة القرية. وبعد بضعة أسطر، تحول الرجل العجوز (الذي هو الأب) بقدرة قادر إلى: الجد.

وهكذا بتّ  ليلتي مشوّشاً، أعيد كتابة نص فرغت منه منذ سنوات.

 

مثال ثالث: في نصي القصصي الأطول حتى الآن: (الأسطح والسراديب) والذي لا يكاد أحد من رفاقي الجدد يعرفه، كنت أتجوّز في بعض الأحيان باستعمال بعض الألفاظ غير الفصحى، محاولاً أن أكتب الحوارات بلغة متوسطة توحي بأن الأبطال يتحدثون العاميّة، هرباً من التورّط في الافتعال اللغوي. وبعد أعوام من طبع الكتاب وحالات التباهي التي عشتها معه موهِماً نفسي الغبية بروعته ونقاوته: تفاجأت بأنني في ذلك التجوّز سمحت لبطله بأن ينطق لفظة (يا بخت)، وهي لفظة مصرية أو حجازية على أكبر تقدير. في حين أن البطل كان نجدياً من الرياض. وتعال وانظر إلى مستوى الإحباط عندي. هذا إلى غير ذلك من الأخطاء الإملائية التي تفاجئني وقد لا يخطئ فيها طفل في الابتدائية، فأجدها (منسدحة) على السطر بطريقة غير متوقعة، وكأنها أفعى تستقبلك في درج السيارة وأنت تبحث عن شريط لأم كلثوم! مثلما كتبت في أحد المقاطع: العودي الحجازي! أي عود حجازي يا أبله! وهذا مقطع آخر ركيك جداً مليء بالضحكات المتبادلة بين صبيين (صبي وصبية) في إحدى حارات مكّة الجبلية: (قرَف)!

الآن أفكّر في هدم جميع كتبي ونصوصي من جديد، وإعادة تحريرها من الصفر، أو بالإقدام على حذفها من جميع المواقع التي لي عليها سلطان، والتخلص مما بقي منها مطبوعاً على الورق في مخزني.

اظهر المزيد