العبّاسون

 

الهرَم

 

يهرم من الإنسان كل شيء، ويشبّ منه الحرص والوهم والأمل. الوهم كلمة وضعتُها في المنتصف، ما بين الحرص والأمل، وأدرجتها من عندي أنا الراوي، وحرّفتُ بها حديثاً صحيحاً لن يعجزكم إيجاده، لكن ما عليكم. دعونا نكمل، وأدعوكم معي إلى مشاهدة فيلم بنجامين بوتن الذي مثّله براد بيت؛ لنتخيل معا كيف يشب الإنسان وهو هرِم. لقد ولد بنجامين وهو أعمى تقريباً، متيبّس الأطراف، متساقط الشعر، منكفئا على نفسه، هرماً على الأصح، ليشيب منه الحرص والأمل بدلاً من أن يشبّا كما في الحِكمة أو الحديث المحرَّف، وليبدأ بوتن في فقدهما مع إقباله على مرحلة الشباب، وكأنما تنطق رسالة الفيلم فعلاً بما تقوله هذه الحكمة (لنتفق الآن على أنها حكمة أثيرة فقط).

 

**

 

فاصل ثلاثة

والآن، لننطلق معاً بعيداً عن التفكير المجرد، إلى ثلاثة عبّاسين، نعم، لم تقرؤوا العبارة خطأً، هم ثلاثة عباسين، وما يهمني في هذه الحكاية هو التأكيد المؤكد، تأكيد أن أيَّ واحد منهم، لم يكن ذا دراية بهذه الحِكمة.

 

**

 

فاصل اثنين

إنني أكتب في هذه الأسابيع حكاية أحاول أن ألملم بها من شتات ذاكرتي ومشاهدات صِغَري عن مكة المكرمة، وقد تحمل هذه القصة عنوان (تيه في الحرم)، أو جزءاً آخر إضافيا إلى ثنائية (يومان في مكة)؛ ذلك أن هذه الذاكرة تخذلني دائماً، ليس بأنها لا تتذكَّر شيئاً، وإنما بأنني أخيب دائماً كلما تخيلت أنني اعتصرتها حتى لم يبق منها شيء. وبرغم أهمية كتابة هذا الموضوع انقطعتُ عنه؛ لأكتب عن العباسين، وعن الهرم وشباب الحرص والأمل، فعليكم إذن يا أعزائي أن تتوقفوا عما يدور ببالكم حول الحديث المحرّف، وألاّ تبحثوا عنه في غوغل، باختصار، عليكم أن تتركوا المقاعد التي في تجلسون عليها في أذهانكم الآن، وتلتزموا التحويم (بالواو) مع ما يدور ببالي.

 

 

**

 

فاصل واحد

لنتخيل شيئاً محالاً في العالم الخارجي: شخصاً يتجه إلى اتجاهين متعاكسين في وقت واحد. سوف أضرب مثالاً تافهاً بخط مستقيم يحتوي ثلاث نقاط، ولنتحدث بطريقة أسهل لي أنا على الأقل: في المنتصف: النقطة ب، وفي الطرف الأيمن: النقطة ألف، وعن الشمال: النقطة جيم. وإذن؛ النقاط على التوالي: أ، ب، ج. فإذا كان هذا الشخص في نقطة المنتصف ويريد الاتجاه إلى ألف أو جيم فذلك ممكن، ولكنه لن يستطيع الاتجاه إليهما معاً. لكن يمكننا أن نتجاوز ونتخيل أنه يمتلك يدين طويلتين، يستطيع أن يحوز بها هاتين النقطتين، ولكنه في النهاية يبقى مستقراً في النقطة باء، وحتى لو استطاع أن يذهب إلى إحدى النقطتين الطرفيتين، ويحوز النقطتين الأخريين فإنه سيبقى في النقطة التي هو فيها، وحتى لو كان في المنتصف وأمسك بالنقطتين وحناهما إليه لتصبح النقاط مثل قلب مرسوم في تجراف فتاة مراهِقة قديم، حتى لو حصل ذلك فإنه سيبقى في النقطة باء، إضافة إلى أن الخط سيفقد هويته ليصبح شكلاً غير مضلع ولا يحتوي أي خط مستقيم، وعليه فإن الفكرة المطروحة سوف تنتفي من أساسها.

المهم أن يستقر معنا أنا وأنتم أنه مع تصور الخط المستقيم والنقاط الثلاث فإن الشخص يستحيل أن يكون في نقطتين متباعدتين في وقت معاً، كما يستحيل أن يتوجه اتجاهين متعاكسين في الوقت نفسه، وذلك لأن أبسط قواعد المحسوسات أن الجسم الواحد لا يمكن أن يكون في مكانين، وهذا مدرج قواعد كلامية عفا الدهر على ترديدها وصارت دراستها أمراً مُخجِلاً، مثل قاعدة: العرَض لا يبقى زمانين. ولو قلنا إن هذا الشخص يستطيع أن يكون في النقطة ألف ويتجه إلى باء وجيم، أو أن يكون في النقطة جيم ويتجه إلى باء وألف، فإنه سوف يغادر النقطة التي يوجد فيها بلا شك، وإن مجرد مغادرتها لينفي أي احتمال لبقائه فيها أثناء الاتجاه إلى النقطة الأخرى.

لو كان في المنتصف وأمسك بالنقطتين وحناهما إليه لتصبح النقاط مثل قلب مرسوم في تجراف فتاة مراهِقة قديم، حتى لو حصل ذلك فإنه سيبقى في النقطة باء

 

**

 

فاصل صِفر

لستُ أصدّق كل رفعٍ للضدّين، ومع ذلك سأتظاهر بذلك الآن، وأنضوي مؤقتاً إلى صفوف بعض التجريدات المثاليّة القاصرة، التي قد تقترح أن العقل والنفس ليسا جسماً ولا عرضاً، سأقترف ذلك في هذه القصة فحسب، في داخل ذهني الآن الذي تحومون معي حول ما يدور فيه، لا في خارجه، فنقول تبعاً لذلك: العقل والنفس ليسا جسماً ولا عرَضاً، ولا يهرمان بهرم الإنسان؛ فالإنسان: يلازم جسمَه الهرمُ في زمانه الوجودي، ويلازم عقلَه ونفسَه الحرصُ والأمل، فهو (وهذه مغالطة مني) كـ(ذات) وليس كـ(جسم): يتجه إلى الجهتين ألف وجيم في الوقت نفسه، مع  أنه موجود في النقطة باء، ومع ذلك لا يمكن اقتناصه في باء أيضاً. وبهذا يكون هذا الإنسان الذهني: طائفة من المحالات مجتمعة في ذات ممكنة.

 

**

 

عباس الأول

ظل يقول لي دائماً: سوف تعلمك الأيام كيف تكون لطيفاً، ومهذباً مع الآخرين. وكنتُ أتساءل هل أنا غير لطيف ولا مهذب؟ ولماذا يقول لي هذا وهو في مرض وفاته؟ ثم أتساءل: وإذا كنت في مرض وفاتي فلماذا أكون لطيفاً ومهذباً مع الآخرين؟ ألا يكفي أن أكون على حقّ وألا أحمل معي ذنباً إلى قبري؟ ظل الحرص يشبّ فيه على هذا الشيء: اللطف والتهذيب، حتى إنه قبل وفاته بأسبوع، وقد تجمّع حوله عدد من المراهقين من ذوي قرابته، تحدث عن المباراة المقبلة بين فريقين شهيرين، ووعدهم بمشاهدتها معهم، وتوقّعَ نتائجها، وأطلق بعض الطُرف الرياضية، ولمّا انصرفوا سقَطَتْ رقبته على صدره منهَكاً. وظللت أرافقه وأنا في أشد حالات السوداوية، أقرأ صفحة من مذكرات روسو المثالية المُذَبْذَبة، وأعود لأنظر إلى جسده الذي تغادره الحياة رويداً رويداً، شيئاً فشيئاً. كان الموت يتسلقه بالمعنى الحرفي، رغم أنه كان مستلقياً في معظم وقته: بدأ الشلل من أطراف أصابع قدميه، وأخذ يرتفع، وانتفخ جسده، ولم تمض ثلاثة أشهر حتى انقطعت حركته وتحول إلى كيان هائل لا يحتاج لينفجر إلا إلى شكّة دبوس صغير، يتلخص في الأنفاس المتقطعة، والنظرة الزائغة، جسده يهرم ويتسارع في الهرم، وابتسامة حرصه وأمله في التهذب مع الآخرين تشبّ، وتزداد شباباً، ولولا أنه يؤديها بجزء من جسده المتهالك لقلت: وتزداد ألقاً.

 

كان الموت يتسلقه بالمعنى الحرفي، رغم أنه كان مستلقياً في معظم وقته

**

 

عباس الثاني

لا يعرف عباس الثاني شيئاً عن التهذيب ولا عن مراعاة المشاعر، ولكنه يشيخ، ويزيده مرض السكريّ شيخوخة، يكاد أن يغادر الحياة وهو لا يزال في عقده الخامس، وحرصه وأمله يشبّان: على أن يحصّل عظمة اجتماعية في عيون الآخرين.

أتساءل كما ذكرت في روايتي (كيف تصنع يداً؟): لو كان الإنسان يهرم إلى ما لا نهاية له، أليس هذا يعني أنه سوف يتحول إلى كومة من الجِلد والعظام المتيبسة؟ لكن، إذا كان الأمل والحرص يشبّان فيه باستمرار، فهل ينتهيان إلى أن يُصبِحا طفوليين كما هي حال بنجامين بوتن؟ بنجامين بوتن نفسه مات رضيعاً، فماذا لو لم يمت؟ أكنا لننتظره ليتحول إلى حالة جنينية تفتقر إلى حبل المشيمة كيلا يموت؟ وجدلاً: ولو وفّرنا له الظروف اللازمة لحالة جنينية: أكان ليبقى حتى يعود نطفة؟ ولو قذفنا تلك النطفة من جديد في رحم فهل كان ليعود طفلاً شيخاً يكتهل ويشبّ ويصبح طفلاً وتستمر دورته بلا نهاية؟ إن ذلك سوف يجعل من أمله الذي يتسلح به نهائياً، في حين يصبح جسده غير نهائي، وإذن؛ كأن المعادلة تقول: حيث يوجد الجسد النهائي، يوجد الأمل غير النهائي. والعكس صحيح. وقد سمعت شيئاً من هذا القبيل، لكنه مخالف له في المنظور، وهو أنه: لكي يتصالح الإنسان مع وجوده النهائي، ولكي يستطيع الحياة، عليه أن يتسلح بوهم الحياة غير النهائية، وإلا فإنه سوف يفنى ويضمحل ويموت بسرعة فائقة. ولهذا السبب أدرجتُ من عندياتي عبارة الوهم في الحِكمة المشهورة.

ما أعرفه عن عباس الثاني أنه عندما يفقد الأمل في أن يصبح عظيماً في عين عباس الأول أو عباس الثالث أو أي عباس آخر، فإنه يحكم على ذلك المرء حُكمين نهائيين هما: أن ذلك الشخص: شخص دنيء. وأنه ميت بالنسبة إليه، موتا حقيقياً بالقوة وبالفعل الأرسطيين.

 

**

 

عباس الثالث

أما هذا فهو رجل شبيه بعباس الذي في قصيدة أحمد مطر، هل تعرفونه؟ إنه عباس المشهور الملقّب: عباس المتراس، الذي يقول عنه الشاعر: عباس وراء المتراس، ويخاطبه: أبناؤك قتلى عباس، وتقول له زوجته: ضيفك راودني عباس.

وهو رجل يتمنى أن يبقى محترماً وسالماً، في حين أن السلامة إنما هي واحد من ممكنين متلازمين، فمتى ما وُجد أحدهما وجب أن يعقبه الآخر وإن طال الزمن. إنه اليوم رجل في السبعين، لا يزال مهادناً، طيباً، يقصف صبيانُ الجيران بابَه ونوافذه بالحجارة، وأحيانا تمرّ بجواره سيارة تطرطش في وجهه مياه المجاري السائلة من البيت المقابل. ترفض زوجته أن تُعِد له الطعام فيذهب إلى البوفيه ويقبل أن يحضر معه في ورقة نشافة ثلاث قطع طعمية وست أصابع بطاطس مقلي، وعلبة سفن أب، يأكل وينتظر أن يشعر بالحرقان ليحدّر السفن أب في حلقه، وفي أثناء ذلك يتجشّأ جيدا حتى يتخلص من الغازات الحارة المسببة للحرقان. وهو الآن كما كان قبل خمس وعشرين سنة عندما أحببتُ ابنته حُباً طفولياً، وعندما كنت أتوصل إلى وصالها من باب افتعال مصارعة عابثة معها أمام عينيه وهو ينظر، بابتسامة مموهة، لا ساخطة جداً، ولا راضية، بل هي إلى الحرص والأمل أقرب.

 

أما هذا فهو رجل شبيه بعباس الذي في قصيدة أحمد مطر، هل تعرفونه؟

**

 

ولادة عباس الرابع

 

معذرة، فقد أصبح هؤلاء أربعة، وهكذا هو تجدد شباب الحرص والأمل: يبزغ فجأة، مثل كوكب في وقت الغروب، يظهر بلا استئذان، وتصيبك متابعته بالدوار، وعندما تظن إنه الكوكب الأخير يبزغ لك كوكب آخر بعدَه. لا أدري إن كان التشبيه بليغاً أم لا. ولكن: إذا كان عباس الرابع يشبه الكوكب الدُّرِّي من جهة، فإنه يشبهني من جهة أخرى: يشبهني في الظهور أمامك بغتة، مُطلِقاً عليك موجة رصاص من الألفاظ السفسطائية التي تشعرك كأن شتيمةً أو بذاءة توجه إليك. اعذروني. ولكن هكذا هو عباس الرابع، إنه يدرك هذه الأشياء، يدرك أن الحرص والأمل لا يكبران بمعنى الهرم كما يظن كثيرون من خلال تردادهم للاستعارات، ولكنهما يكبران بمعنى أنهما يشبّان ويزدادان فتوّة. وهو ليس من العباسين الثلاثة الذين لا يدرون شيئاً عن هذه الحكمة. أمّا كيف توصل إليها فذلك بطريقة غير حَرْفية: إنه مولع بالقراءة، ولمّا فرغ من قراءة رواية د. جيفاجو التي كُتبت بغاية محاربة الماركسية ببثّ اليأس في العالم، لمّا قرأها توصَّل إلى السؤال الكبير الذي أدى به إليه خوضه لتلك الملحمة: ولماذا نعيش؟ ولماذا نحرص؟ ولماذا نأمل؟ غير أن عباسنا الرابع، لاتصافه بجميع أشكال الحمق التي أتصف بها، لا يزال يقنع نفسه بأنه يعيش ويحرص ويأمل؛ لكي يستمر في اكتشاف عدم جدوى الحياة والحرص والأمل. وواقع الأمر، ومع بالغ التوقير لكم، هو أنني لم أكن أخطط حقاً لاختتام قصتي بهذه النهاية الجوفاء، التي تليق بمتسوّل حقيقيّ، أو بمن هو في وضع يؤهلُه لذلك، أو تليق بفتاة عانس في الخامسة والثلاثين من العمر غادر محيطَها آخرُ رجل كان يفكّر في التقدم لخطبتها، لكن: هذا هو عباس الرابع، وليس ذنبي أنني أحكي لكم واقع الحال.

اظهر المزيد