قراءة في عيني كبش أقرن

 

سقتُ الشياه التي ألقت بأخي يوسف من على رأس الجبل ودقّتْ عنقَه، وأنا أشتمها، وألعنها.

ألهبتها بالسوط حتى صارت تعدو أمامي هاربة وكأنها تهيم بوجوهها الثاغية على بساط ريح أو كأنها استعارت من الخيل شبهاً.

كم هي سريعة. – قاتلة. – ملعونة. – مجرمة!

في بدئها ملحمة الهرب اعترضَ كبشُها الأقرن طريقي، والتفت يتأملني وكأنه أضاع هُويتي ويريد أن يتعرّف عليّ من جديد، أو كأنه يودّ أن “يتفاهم معي” كرجل، رأساً برأس، أو يعتزم بكل بساطة أن يذبّ عن قطيعه بجسده إذا استدعى الأمر ذلك.

هذه الأطياف التي تتجلى وتتماوج وتنمحي في سواد عينيه تبدوان لي كأنهما عينا إنسان، وأحياناً عينا حصان، وأحياناً عينا ثور، وأحياناً عينا ذئب.

بقطع النظر عن حميميته، أنَفَته، غضبه، كان موقَا عينيه هما كل ما يواجهني، وليس باقي كيانه المتطاول بصوفه الكثيف المشعث.

واحتان سوداوان قارّيتان تلتطمان تحت سماء ملبّدة بغيم أسود متجهّم.

حميميته وأنفته تغلبانه حيناً فتمنعانه من الميل ببصره إلى سوط العذاب المتوهج بالألم، ليظلّ محدّقاً في عينيّ المجهدتين، وكأنه لا يلقي بالاً إلى أطراف السوط التي تحتمي قرونها كمخالب سباع محمرّة بجمر الجحيم، لكنه يعود فيرمش بغضبه فجأة تجاه السوط وكأنه يتحداني أن أحدث به أي أثر يذكر على شعره الأجعد!

هل أسوقه إلى البيوت وأجزّه ثم أنحرُه؟

هل ألقي بالسوط جانباً وأهجم عليه بذراعي وساقيّ العاريتين حتى ألقيَ به؟

عندما أفكر في ذلك أراه يرمش متوتراً تجاه ذراعيّ وقدميّ وكأنه يتحدّاهما أيضاً.

أتراه يعرف السر المخبوء ويدرك الخفيّ الكتيم؟

أرى الآن قطيعَه الناجي يتبعد ببطء على رغم سرعته الفائقة التي تتراقص بأذنابه وهي تتدلى من بين سيقانه من الخلف مقلوبة كوسائد المهاد، ولا يزال جسده معترضاً في الطريق الجبليّ الضيق، الذي لا يمكن أن يتّسع لشخصين يقف أحدهما في وجه الآخر، رأسه إلى اليمين جهة الهاوية بقرنين بنّيين تكاد أطرافهما مع انحدار شمس الأصيل تتقد جمراً أو تولّد نجماً، ومؤخرُه إلى صدر الجبل.

تتصاعد من صوفه الأصفر المغبرّ روائح فحولة حيوان بشري، حيوان ذكر يعرف ما يريد ويصرّ على أن لا يغادر أحدنا قبل نتفاهم بصورة أو بأخرى، وكأن منظر عنق أخي يوسف المدقوقة يحاصره هو الآخر ويفرض عليه الأمر نفسه الذي يفرضه عليّ، على نحو لا فكاك منه.

حيوان ذكر يعرف ما يريد ويصرّ على أن لا يغادر أحدنا قبل نتفاهم بصورة أو بأخرى

ربما يدرك هو أيضاً القصة الحقيقيّة التي جرَتْ أكثر مما أدركها أنا، أو لنقل: ربما يحكيها بأصدق مما أزعم أنها هي عليه، تلك الزاوية من المشهد التي تشهد بها الخدوش على ذراعيّ ووجهي وظهري وهذا الشق المفروق في صدر قميصي عقب العراك القصير الذي دار بيني وبين أخي، وتلك التفاصيل التي تشي بأن جريمة الشياه المزعومة لم تكن سوى زوبعة مرتبِكة أثرتُها على هامش العراك البشري الآثم المتكئ على إدانة الشياه الغافلة لإثبات براءته المكذوبة.

ربما لم يكن يدرك ذلك فحسب، بل هو الآن يخبرني به، لكي أعي أنه لا ينوي أن يسمح لي بالتملص من الجرم بأي ذريعة أو وسيلة.

طال بنا المكث، وانسدّت فُسحة الكلام، وقذفت الشمس المستنيمة إلى التراب ما تبقى من أتونها في نجوانا. وعلى رغم الهجوم العنيف السريع المتبادل الذي ابتدأه كلانا بكامل قواه الاختيارية المدركة للمصير، الذي يجزم بالتحام قاتل لا شك فيه ولا مفر منه، على رغم ذلك، ظلت المسافة الفارقة بيننا وكأنها لا تزال بعيدة، بعيدة جداً بقدر بعد ما بين المشرقين.

وفي الجزء الواحد من الألف من الثانية التي انقض فيها كلّ منا على قرينه انقضاضته الأخيرة هجس في صدري أن هذا الذي لا أزال أراه في الواحتين المهولتين السوداوين في محجريه ربما لا يكون في حقيقته إلا انعكاساً حقيقياً كالمرآة لما يجول في عينيّ أنا:

عينا إنسان، ربما هما عينا حصان، ربما هما عينا ثور، وربما هما عينا ذئب.

اظهر المزيد