الاكتمال المنتظَر… بين “تايتانيك” و”صوت المعدن”

 

قد تبدو كتابة القاص عن السينما في مقام المواجهة= شبيهة بأن يشهد مهندس تمثال أبي الهول هبوط مكوك عائد للتوّ من الفضاء، ولكن عزائي هو أن رائد المركبة لن يكون أقلّ دهشة ولا انبهاراً من المحترف المصريّ الماثل أمامه.. ولا ريبَ أن الأخير لن يعميه بريق المعدَن ولا التماع الأضواء، بل ستهمه أشياء أخرى أشد مساساً بصناعته: إنجاز الآثار الخالدة.

يجتذبني إلى السينما العالميّة أنها أثر بشري متجدد، يؤثث بعضه بعضاً، ويُتم الحاضر منه مسيرة الماضي، فيما يكاد يجسّد موجة الاكتمال الهيغلي الصاعدة للعقل المطلق، حيث يهبط إلى الأرض، ويتعرف ذاته، ويحقق وجوده، ويرقى شيئاً فشيئاً في معارج الكمال.

ذلك ما أوحته إليّ المقارنة بين فيلمي “تايتانيك” و”صوت المعدن”، اللذَين رأيت فيهما النقيضين اللذين يعدّان إرهاصاً لاكتمال ثالث سوف يأتي بعدَهما، وبين الرسّام العاطل إلا من ذكائه وصحّته، والرسّام المكتمل إلا من حواسّه ونباهته: ننتظِرُ أن يستوي فُلك الحبّ السينمائي على جبل الجوديّ.

في “تايتانيك” تكون “قدرية الموت” هي العائق بين العاشقين، وفي “صوت المعدن” تكون “حقيقة الحياة” هي الفيصل بينهما، وفي “تايتانيك” تكون “الطبقية الصلبة” هي النذير المعلن، على حين تكون “الطبقية اللطيفة” هي صافرة النهاية.

إن “صوت المعدن” عملٌ صُنع لذائقة مخصوصة نابهة متمرسة بتلقّف الرسائل، وأما “تايتانيك” فهو عملٌ لكل العصور، وعلى رغم أنه مليء بالهنات والتناقضات (خذ مثلا: العرض السطحي لمشهد الوجيه البرجوازي الذي يظنّ أن سيغموند فرويد هو أحد ركّاب السفينة الضخمة) إلا أنه يظلّ “كتاباً مقدَّساً” للسينما، يكتسب سحره وبهاءه رغم سلبيّاته، وليس من أجلها.

إن “تيتانيك” عمل (كما قال بورخيس قبل نحو 20 سنة من صدوره) من الممكن أن يكون مليئاً بالتصويبات، ونستطيع أن نختلف مع آراء كاتبه، ومع ذلك يخلّف شيئاً مقدّساً، شيئاً إلهياً (لا تزال العبارة لبورخيس) لا لكي نوقّره بتطيّر، بل لكي نستمد منه السعادة وكذلك الحكمة.

وأما “صوت المعدن” فهو ذلك العمل الفنّي الذي يفاجئنا، في نعومة شديدة، بأقسى رسائل الحياة، وأشد أخطارها، وهي: أن أي صحبة في هذه الدنيا ما هي إلا رحلة طيران توشك رِحالها أن تحطّ، وعلى راكبها أن يخرج من باب الطائرة، ويغادر المطار، وليس ذلك عائداً إلى سوء طوية الراكب في المقعد المجاور، ولا إلى خلل في أدب المضيفات.

 

لقد تجاوز “صوت المعدن” الأسئلة التي ظلّت معلقة على مشجب الوجدان في “تايتانيك” قبل بضعة وعشرين عاماً:

  • ماذا لو كان من في السفينة لطفاء متفهّمين؟ وماذا لو لم يكن لأحد ذنب فيما جرى؟ أكان يمكن للقصة أن تكون سعيدة؟

لقد انشغل فيلم “التايتانيك” (الذي سيظل عظيماً في نظري رغم كل هذه الانتقادات التي أصب جام غضبها عليه) برفع أكبر قدر ممكن من الشعارات:

شعارات الضد:

ضد التقاليد العائلية البائدة، ضد بناء الأسوار العازلة بين الطبقات، ضد الزواج العائلي المرتّب مسبقاً، ضد الخطاب الكهنوتي السطحي.

شعارات المَعَ:

مع الحب الحر، مع المقامرة، مع المغامرة، مع التحرر من كل القيود، مع الإخلاص للفن، مع الاحتشاد في صف الضمير.

ولكنّ “صوت المعدن” تخفّفَ من كلّ تلك الشعارات التي ظهرت في “تايتانيك” كأنها تتحول إلى شعائر مكشوفة وسطحية هي الأخرى، وحمَل إلى المُشاهِد بدائل متسامِحة:

التسامح مع الإمكانات المحدودة، البحث عن الطمأنينة فيما نستطيعه، والرضا بالحياة كما هي، والرحيل حين يحين الرحيل دون عويل ولا ضجيج.

إنه فيلم موجه في الحقيقة ضد العاطفة المفرطة، وكأنما صُنع ليضرب الرومانسية بجرعة واقعية؛ فالحُب ليس ميثاقاً كاثوليكياً، حتى لو كان، فإن مفهوم الموت، في زمن السيولة، يمكن أن ينوب عنه: الشلل، أو تحل محله بكل بساطة: نهاية المرحلة.

لقد حمّلت الثقافة المعاصرة الحبَّ بين الرجل والمرأة أمراً فوق الذي يحتمله، وحوّلته إلى رباط كنَسي، هو في حقيقته إصرار شديد على تملّك الآخر تملكاً كاملاً، وهذا الإصرار لا يكتفي بأن يكون الجسد مملوكاً للمحبوب ملكاً مؤبداً غير قابل للنقض إلا بالوفاة أو بالخيانة، بل بلغ أن يطمع كل طرف عاشق في أن يتملك محبوبه تملكاً روحياً، في وسط أجواء رأسمالية قاسية تقدّس الفرديّة وتحارب الإيثار؛ فصار العشّاق مذبذبين بين حياتين متناقضتين تماماً، تشدّهما كل واحدة منهما إلى أقصى الطرف المعاكس للحياة الأخرى:

حياة عليك فيها أن تملك المال والنجاح والنفوذ ولا تسمح لأي عائق بأن يعترض سبيلك (فيلم سيرة حياة ستيف جوبز نموذجاً).

وحياة عليك فيها أن تتملك روحَ هذا الإنسان الذي يشاركك في هذه السفينة (تايتانيك).

ونتيجة لذلك عجّت العلاقات بالخيانات أو الصدَمات، وقد جاء “صوت المعدن” لكي يقدّم لنا رؤية مغايرة، تتعامل مع حقائق الحياة الراسخة بوضوح وتسليم.

إن من أغرب الغرائب (كما تقول ألكسندرا كولونتاي قبل مئة عام) أن يعمد شاب وفتاة من خلفيتين عائليتين وثقافيتين مختلفتين، ينحدران من إمكانات واستعدادات غير متكافئة البتّة، ولا يعرف أحدهما عن جذور الآخر ولا عن تربيته أي شيء، أن يعمد كل واحد منهما، بعد وجبة عشاء في مطعم، وليلة حافلة، إلى الطمع في تملك قلب الآخر إلى الأبد، مع أن كل واحد منهما يؤمن في قرارة نفسه بأنه مسؤول تمام المسؤولية الفردية عن نجاح نفسه، وأنه يجب عليه ألاّ يتيح لأي عثرة أن تعترض سبيله، لا لشيء إلا لأن اشتراكهما في الفراش قد أوقعهما في فكرة خاطئة قاتلة: بأن العلاقة الجسدية بينهما هي أساس كافٍ لتأصيل حقوق ملكية أحدهما للآخر عاطفياً.

اظهر المزيد