الطالباني

كنت أتابع – وأنا بين النوم واليقظة – حلقة من برنامج في قناة روسيا اليوم تناقِش وصف الرئيس بايدن لنظيره بوتين بأنه “قاتل”، ولأن النّوم له سُلطانه فقد تغيّرت التفاصيل التي أتذكّرها الآن، دون شك، بعد استيقاظي قبل قليل، واختلفَت عما كانت عليه في مقطع اليوتيوب الأصلي.

هأنذا أجلس الآن في القرية التي أسكنها، حوالي الساعة 4.34 عصراً؛ لكي أكتب ما جرى في جلسة المناقشة التي شارك فيها أشخاص من روسيا ومن أمريكا عبر الأقمار الصناعية، وأسرد على النحو الذي سارت به في متابعتي المناميّة، ولا حاجة بي طبعاً إلى أن أصرّح بأني لن أعود إلى مشاهدة الحوار المشار إليه أبداً؛ لأني أعتزم أن أبقي عليه كما هو في الذاكرة، وإن كان في الأمر شيء من إضاعة فرصة نادرة للعودة إلى الماضي وتصحيحه؛ فتلك مزيّة أتنازل عنها بكل رضا:

كان المذيع منحازاً إلى روسيا، وعلى هامش البرنامج عُرِض تقرير يرُدّ فيه بوتين على غريمه بقوله: إذا كنتُ قاتلاً فبايدن غبيّ، وكان من السهل عليّ أن أتلقى مثل هذا الكلام لو أن شخصاً ذكياً وجّهه إليّ، مثل أوباما على سبيل المثال؛ لأنه سيستحقّ التفكير في مغزاه على الأقلّ.

وظهر في التقرير طلاّب روسيّون ممن كانوا يدرسون معي في الجامعة قبل أكثر من سبعة أعوام، وهم يرتدون ثياباً وطواقيَ بيضاء، وقد علا رؤوسَهم طالب فرنسي طويل جداً، يدعى سباستيان، يقف على طاولة خضراء خزفية عريضة كليلة السيقان، ويلقي على أسماعهم خطاباً دفاعياً شديد اللهجة عن بوتين.

لفت نظري وجود مقحَمٌ لشابّ طالبانيّ في التقرير، كنت قد عرفته في الجامعة، وتبيّن لي انتماؤه إلى طالبان من إشارات جسدِه وفلَتات لسانه، على نحو لا يدَع مجالاً للشك، هذا الطالباني كان جالساً في وسط الطلاب الروس؛ مُصغياً معهم إلى سباستيان، بإمعان وتركيز، وعينين متقّدتين أيّما اتّقاد.

وأتذكر الآن أن هذا الطالِب الطالِباني، بفتح الطاء المشدّدة وكسر اللام، لا كما يُنطق اسم الكردي جلال الطالَباني، كان يسكن طوال أيام صباه على حافة شق صغير في وادي حنيفة، في بيت من بيوت أوقاف المساجد، وعلى مسافة نصف كيلومتر من منزله كان يوجد مسجد لتحفيظ القرآن، تخرجَت فيه أجيال، وحظيتُ أنا شخصياً بشرف التدريس فيه مدة أسبوعين فقط، لا ثالث لهما.

أما في أيام الجامعة، فكان هذا الشاب، الذي صرتم ترونه أحسن مما أراه، يسكن شقة عزاب غير بعيدة من جامعة الملك سعود، لداعي عمَل مؤقتٍ كان يشغله، هكذا كان يقول، ولم أكن أصدّقه في كل ما يزعمه، كما إنني كنت غير شاك في أنه، إذا كان يعمل، لن يكون أفضل أقرانه في العمل، شأنه في ذلك شأنه في الدراسة؛ إذ لم يكن يلتزم بالحضور، ولا يحل الواجبات، ولا يحفظ المطلوب، غير أن سحره العجيب كان يظهر في تجاوزه الأسطوري لجميع الامتحانات بكفاءة عجيبة: لم يكن يخطئ ولا في حرف واحد على ورقة الأجوبة، وسوى ذلك كان يخطئ في كل شيء، نعم: يمكن أن يقفز سؤالاً أو يشرد بصره عنه، لكنه حين يضع قلمه على ورقة الإجابة تحت السؤال المقاليّ الصعب المعقّد: عندئذ ينهال الصواب كما لو أنه نهرّ دفّاق لا سبيل إلى إيقافه.

فكّرت وأنا أتابع البرنامج من داخل ذهني المتطوح:

كان من الواجب أن ينزل سباستيان عن الطاولة التي يقف عليها، حتى لا تنكسر أسفل من جسده الضخم، وكان يُحبَّذ أن يلتئم شمله هو والطلاب الروس حول الطالباني، ثم يكتبوا له سؤالاً في ورقة على هيئة امتحان:

  • ما الحل الأمثل لهذه الأزمة؟

ولو صنعوا ذلك، لما فاتهم، فيما أزعم، ولا حرف واحد من الجواب الصحيح.

لكن الطالب الفرنسي تمادى في حماسه، وخرج عن الموضوع، ثم رجع إليه، ثم خرج عنه، ثم عاد إليه، وهكذا، وكانت تفصل بين ذلك موسيقا فواصل البرنامج، وتأتيني أصوات الضيفين والمذيع من حين إلى آخر، كأنما هي خلفية من المؤثرات الصوتية، تتناهى إليّ من وراء هذا الحشد المتجمّع.

ينهال الصواب كما لو أنه نهرّ دفّاق لا سبيل إلى إيقافه

أنا الآن مستيقظ، وجالس أكتب، وليس لي أي اهتمام حقيقي بالأزمة الأمريكية الروسية، غير أني أحاول أن أدوّن على هذه الأسطر شيئاً من سيرة الفتى الطالباني:

اسمه يوسف، وقد تيقّنت من ميوله الطالبانيّة كما سبق أن أسلفتُ، وما من شكّ يعتريني حول ذلك، ومَن يعرف الفروق الدقيقة بين الحركات فإنه لا بد يدرك الفرق بين الطالباني والقاعدي والداعشي، ويعلم ما يلتقي فيه هؤلاء وما يفترقون فيه.

المهم أن يوسف (ها قد صار له اسم) تأثر تأثراً شديداً بمقتل محمود الأغاسي الملقّب بأبي القعقاع، وأتذكر الآن أنه مرّر إلي في محاضرة اللغة الإنجليزية هذه المذكّرة، التي أروي نصّها بالمعنى:

“رأيت البارحة في المنام أنني باشرت غسل أخي الشهيد أبي القعقاع بيدي، وحنّطته، وكفّنتُه، ودفنتُه، ولما أردنا أن نطبق عليه اللّبِن ونهيل عليه التراب خاطبني وقال: (يا يوسف: لا تعجل، تعال وخذ هذه الورقة؛ فهبطتُ إليه في اللحد)، وناولني بيده رقعة فيها: (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، أوصيك بالصمت حتى تموت)، فوالله لا أتكلّم إلى أحد بعد اليوم إلا لحاجة أو ضرورة”.

قلبت الورقة وكتبت له في ظهرها:

“حديث نفس أو وسوسة، لو كان المنام صحيحاً لصلّيتم عليه”.

فأعادها إليّ وفيها: “الشهيد لا يُصلّى عليه”.

واليوم لا أجد بأساً من أن أصرّح بأن يوسف الطالباني كان طالباً فاشلاً، فقد أخفق في تحصيل الشهادة الجامعية، وانقطع عن الدراسة؛ بسبب مقاومة طباعِه المتمرّدة للموهبة الدراسية الخارقة التي كان يتمتع بها، وليست كلمتي هذه من باب التناقض، وسأبوح بالسبب المتوقع التافه غير المبتكر حالاً:

  • لقد تمادى في التعثر في كل شيء سوى الامتحان، حتى حُرِم من دخول الامتحان:

في البداية جعل نفسه عرضة للإنهاك والاستنزاف على برنامج “البالتوك”، وأضاع طاقته في معارك جانبية حتمية الهلاك، وقد كنت أسمع ولا أصدّق كثيراً مما يقال حتى رأيتُ بعيني: التقيت به صدفة ذات عصر شتوي في متجر للكتاب المستعمل، قبيل المغرب، كان واقفاً يناقش أحد أساتذتنا ويردّ عليه بفظاظة، ويحول بينه وبين مسلك الخروج من المكتبة، وقد أحاط به اثنان، لا أعرفهما من رفاقه، عن يمين وشمال، وأبديا أنهما يستحسنان تصرفه، كما لو أنه سقراط المجيد في حضرة السفسطائيين أو أبو الهذيل العلاف في مشهد من النظاميين، ثم خرج من المكتبة بعد ذلك مولياً أستاذه ظهره، بعدما ارتفع أذان المغرب وانتصف؛ فأيقنتُ يقيناً تاماً بأنه: لن يتخرج أبداً.

وصادفته مرة أخرى، بعد ذلك، في مواقف الجامعة السفلية، التي استخدمتها أول مرّة في امتحان القياس، وكان يمتطي سيارة فلكسواجن صغيرة جداً، وإلى جانبه يركب سبستيان، وفي أيديهما سندويتشات ممضوغ أكثرها، والرذاذ يتطاير من أفواههما، ووصل إليّ ضجيجهما الحاد من وراء زجاج السيارة الموارب، وفهمتُ أن نقاشهما كان يدور حول الشيخ عبدالرزاق البدر ووالده عبدالمحسن، وانسللتُ نافذاً بجلدي خشية أن يفطنا إلى وجودي قريباً منهما.

وبعدها انقطع ما بيني وبين يوسف من الحديث مدة، ثم واظب فجأة على حضور أحد مقررات المستوى السادس، أظنه العقيدة أو المصطلح، وكنت أقلّب حقيبتي مفتشاً عن هاتفي الجوّال الذي لا أدري أين تركته، حين نشب بينه وبين طالب روسي يدعى مزيتوف جدل عقيم حول أصلح المدن التركية للسياحة، وكان الروسي يمتدح طرابزون، ويقول إنه سيؤسس مشروعه السياحي فيها بعد التخرّج، ويوسف يصِرّ على أن أجواء طرابزون سيئة جداً، ويتوعّد بالإفلاس من يفكّر أدنى تفكير في تأسيس أي عمل فيها، ويؤكد بالأيمان المغلّظة أن الريف الكردي هو أنسب الأماكن في تلك البلاد للصحة والنزهة. ولولا الخشية من إحراجه أو الخوض معه في معركة جانبية لانفردت به ولقلتُ له:

  • أين التزامك بوصيّة الصمت التي زعمت أن صاحبك أمدّك بها في المنام، وأقسمت بالله على الوفاء بها؟

كان يتظاهر في خضمّ إقباله على محاضرات ذلك المقرر، الذي لا أستطيع تحديده الآن، بالحرص على متابعة الدكتور وكتابة كل كلمة يقولها، حتى إنه يكاد يسوّد ما يعادل مَلزمة كاملة في المحاضرة الواحدة، وقد تطفلتُ على مذكرته المليئة بالحروف الدقيقة المنتظمة ذات مرّة وفتحت غلافها فوجدت فيها في الصفحة التي تتلوه:

  • من لم يذق العِلم فاته طعم الحياة.

وكنتُ آنذاك مستغرقاً في قراءة التدمرية ومعها كتاب جارودي في نظرية المعرفة؛ لعلي أفهم أوّليّات الفلسفة الماديّة؛ فعابثتُه بأن كتبتُ له تحت عبارته بخطّي:

  • وهل يذوق طعم العِلم إلا من ذاق طعم الحياة؟

ثم لم أرَه، بعد ذلك اليوم الذي قرأت له فيه تلك العبارة، أبداً، لا في الجامعة ولا خارجها، ولا أدري أهو حيّ يُرزق أم هو الآن تحت أطباق الثرى، ولا يُستبعَد شيء!

 

وفي أيديهما سندويتشات ممضوغ أكثرها، والرذاذ يتطاير من أفواههما

يقال إنه أنه كان بارّاً بوالديه في حياتهما، ويساعد كبار السنّ من أسرته الذين يسكن معظمهم في الدخل المحدود، ويتجشّم عناء زيارتهم والذهاب معهم في حوائجهم ومعاملاتهم ومراجعاتهم الطبيّة، وإنه كان يحضر حفلات الزواج ويلقي فيها المواعظ، حتى حقّق بذلك سُمعة محدودة، ومن الشائعات عنه أن والده تزوّج أمّه بغير اقتناع؛ بناء على اختيار جدّته، وهي كلمة عابرة لا قيمة لها، إلا أنها قد تفسّر بعض عنفوانه واندفاعه العاطفي، وقيل إنه حضر أحد الأعراس، وأراد أن يصدح فيه بموعظة من مواعظه المعتادة، ولم يقاوم إغراء اعتلاء طاولة خزفية خضراء بديعة كانت تنبسط أمامه في قصر الاحتفالات، وتكلم عن الخاتمة السيئة لرجل وجيه، عُرف عنه الفساد، وتوظيف أقاربه، وأكل المال العام، وتحمّس في خُطبته حتى اهتزّت الطاولة، وأشفق عليه الحاضرون من حادثة سقوط مريعة. واشتهرت عنه قصة أخرى، مفادها أنه حضَر مناقشة رسالة ماجستير ذات مرة، وجلس في الصف الأول من المقاعِد، ويبدو أنه لاحظ أن أحد الدكاترة المناقِش يريد أن يحرِج الطالب ويحول دون نيله درجة الامتياز، لحاجة في نفسه، ولما تيقّن يوسف من ذلك انبرى من مقعده  للدكتور الحاقِد، وصار يرفع صوته بإجابة فورية قاطعة صائبة، نيابة عن الطالب، كلّما وجه إليه غريمه سؤالاً تعجيزياً، أو اعتراضاً كيدياً، وحاول الجميع إسكاته أو إخراجه فلم يستطيعوا، وحلفَ أنه لن يسكت حتى يكفّ هذا المناقِش عن توجيه الأسئلة الكيديّة والاختباريّة إلى الطالب المسكين، أو يترك المجال للمناقِش الآخر ليتولى الأمر لوحده بكامله، وصاح بأعلى صوته: “هذا تحقيق جنائي وليس مناقشة علمية”؛ فغضب الدكتور وغادر القاعة احتجاجاً على هذا العدوان السافر، ولكنّ الأفاضل من الأكاديميين والطلاب والضيوف تدخّلوا، وتلطّفوا، وأقنعوا المنسحب بالرجوع إلى القاعة، واستمرّت الجلسة، وغيّر الخصم أسلوبه، وخرج الطالب من المناقشة بدرجة الماجستير، بالامتياز، ومع مرتبة الشرف الأولى.

اظهر المزيد