الفاتِكان

 

 

سأحاول أن أروي قصة مستحيلة التصديق، لكنها قابلة للحدوث؛ وهذا كثير جداً في عالم القصص، وله دور بارز في الحُكم عليها بالرواج أو الاندثار.

مثلاً: قارون خُسفَ به وبدارِه الأرض، هذا أمر فوق المعتاد، بيد أنه يستحوذ على مجامع قلب السامع فوراً. لكن: ماذا لو قُلنا إن جدار غرفة نومه سقَط عليه وهو نائم؛ بسبب تسرّب المياه إلى أساسات بيته؟ نعم، إنها حكاية مرفوضة سلفاً، رغم أنها ممكنة جداً، وقصتي، مع الأسف، من هذا النوع الأخير.

لن أطيل في المقدّمات، فأنا “ميم” وزوجتي “صاد” فاتِكان مثابران؛ نبطش لمجرّد الإثارة وتزجية الوقت؛ فنحن نحبّ المشي، ولا يستهوينا المكث الطويل في البيت.

لا تذهبوا بعيداً في تخمين أمراضي النفسيّة والعقلية، ولا في تخيّل الهواجس التي تنتابني، فأنا كائنٌ عفوي، لا تشغل فكري إلا طائفة من الخواطر العابرة، من مِثل هذا السؤال:

ما الذي يحدو بمجرم عتيّ إلى الوقوف باحترام في طابور التميس صباحاً؟

مثال آخر:

لِماذا يسهُل الفتكُ بالناس إلى هذه الدرجة؟

وإذا كان ثمة من أمر يستحق الذّكر، فهو أنني من المؤمنين بأن المقتول غير المغدور يعرف غريمه في اللحظة المناسبة للنجاة، ولكنه يتعامل بحيلة الإنكار مع أخطر موقف في حياته؛ فهو يتجاهل نظرة الغريم الزائغة التي تشفّ عن عجزه الفِطري في الوهلة الأولى، وتلك النظرة هي طوق النجاة؛ ووقتها القصير هو البرزخ الفاصل بين نية الفتك والتنفيذ.

يستهويني الوقوف في طابور التميس الصباحيّ، ويستهوي “صاد” اقتناء المجلّات القديمة، وفي أثناء عملِنا يمكن أن نثرثر في أي موضوع، وعندما تكون “صاد” متحمّسة جداً أو هادئة جدّاً أدرِكُ أنها تحدثني في أمر قد أحاطت به علماً من مجلاّتها.

مثلاً: تزعم أن بعض المخلوقات تبدو جميلة جداً من بُعد، وهي قبيحة جداً من قُرب، مثل: الفراشات والعناكب.

ثم تطلب مني أن أجد مثالاً معاكساً: حيواناً يبدو قبيحاً من مسافة، ويتحول قبحُه إلى جَمال كلّما اقترب.

فأجيبها وأنا أضغط بكل قواي على رقبة تلك العجوز الستينية:

  • الجَدْي؟

فتقول: الجديُ جميلٌ في البُعد وفي القرب.

فأقول وأنا أواصل الضغط، حتى بعدما يغلب على ظني أن الجسد المتهالك من تحتي قد فارق الحياة:

  • الثعبان؟

تقول: حاوِل مرة أخرى.

قطعنا الجثة بسرعة ووزعناها في سبعة أكياس بلاستيكية سوداء، ووضعناها في خلفية سيارتنا “الأكسبلورر” الرمادية، وانطلقنا نخوض زحام المدينة، كنا ندرِك أن أفضل وسيلة لإخفاء نشاط هو أن تؤديه في أوقات الذروة.

وهكذا: قصدنا ملحمتنا الشهرية المعتادة، واشترينا خمسة عشر كيلوغراماً من لحم حاشي، ثم صعدنا بالحمولة كلها إلى شقتنا، وخلطناها وفرمناها وجمّدناها، ثم ظللنا نتخلص منها طوال الشهر، بإفراغها بكميات يسيرة في حاوية شارعنا التي تتكدس فيها شتى النفايات.

ما الذي يحدو بمجرم عتيّ إلى الوقوف باحترام في طابور التميس صباحاً؟

يخيّل إليّ أنه لو وُجِدت موسوعة أو نادٍ للقتلة فسيكون “ميم وصاد” من أشهر الموجودين، إلا أن أسلوبنا قد لا يجد حفاوة عظيمة من منظّري المهنة، ولو قوبلنا بأي ازدراء فلا شك أن “صاد” قادرة على صياغة أفضل الحجج التي من شأنها أن تزيل الشكوك عن استحقاقنا القاطع للتقدير والاحترام؛ وهذا ما سيتضح لقارئ هذه القصة بعد قليل.

أنا ورفيقتي لا نقرأ القصص البوليسية، البتّة، ولا نشاهِد أفلام الجريمة، وهذه مزيّة لنا ولعملِنا؛ لأن هذه الأشياء لا تأتي بأي فائدة، وغايةُ ما يُرجى منها أنها تجلب التوتّر، وتوقع المحترف في براثن الوسوسة والشكّ المرَضيّ، وتغري بالتكلّف والحذلقة والأساليب المصطنعة.

ومع ذلك، فإن لكل قاعدة استثناءً، وأخمّن أنكم على وشك أن تدركوا ما أرمي إليه:

وقَعَت “صاد” على مجلّة أدبيّة قديمة تحوي دراسة تقارن بين القتَلة المتسلسلين والمأجورين في القصص البوليسي، ومنذ ذلك الحين وهي تجادلني في سفسطيات كثيرة، منها على سبيل المثال:

  • نحن متسلسلان، لكن تصرفاتنا تعكس أساليب المأجورين.

ولم أكن آبهُ لهذا النوع من النقاش، فقلت لها:

  • أرى أنه لا فرق بين النوعين.

قالت بعتاب: هل يعني هذا أنك تشكّك في أبجديات عِلم الجريمة؟

قلت: لا أشكك في أحد، ولكني لا أستطيع أن أشك فيما أعرفه، فالمأجور متسلسل على كل حال، لأنه يعود مرّة بعد مرّة، والمتسلسل مأجور؛ لأنه يحقق غاية أو يتخلّص من عبء، وتلك هي جائزته.

لم أكن جاداً فيما قلتُه، لكنها كانت وسيلتي الوحيدة لتثبيط حماسها المتوقّد لهذا الموضوع، الذي لاح أنه يشكل خطراً حقيقياً علينا.

لكن “صاد” تمادت في غيّها، وواصلت القراءة في عِلم الجريمة، ولم تعُد رفيقتي تلك الهاوية التقليدية للمجلات القديمة، وأصبحت تخوض معي، بعناد، نقاشات مطوّلة، لا قِبَل لي بها، وصار النقاش يزداد تعمّقاً، وصعوبة، وتشتيتاً.

مثلاً:

هل نحن نمارس مهنتنا انطلاقاً من حرية الإرادة؟ هل هي مهنة أو هواية؟ هل نفعل هذا لغرض المتعة، أم لنزعة التشفّي، أم لتحقيق الانتقام، أم لمجرّد الاكتشاف؟ وهل هذا شيء طبيعي، أم ترسّب من الطفولة، أم وراثي، أم هو تربوي، أم فعل أخلاقي؟

وتجاوز ولعها حدوده عندما أحضرَت استبانة حصلَت عليها من موقع إيطالي على الشبكة العنكبوتية، وصاغتها على برنامج الوورد باللغة العربية، وطبَعَتها، ثم طلبَت مني تعبئتها، لكي تقارِن أجوِبتي بأجوِبتها.

واطلعتُ على الاستبانة؛ فوجدتها كالمتوقَّع: هجائية، فوقيّة، مثاليّة، مغلقة.

كانت أسئلتها تدور حول هدف واحد: أنها تريد أن تلفّق لنا تهمة المرَض النفسي والاختلال العقلي والغباء والجهل والطفولة البائسة والفقر.

وقد أوضحتُ ذلك لها بقدر استطاعتي، لكنها لم تقتنع، وأجبرَتْني على أن أرضخَ لإصرارِها؛ فملأتُ الاستبانة، وتلتها استبانة، وهكذا، حتى آل الأمر إلى أن أمسيتُ مثل فأر تجارب لها، وحملَتني على تناول أنواع شتى من الفيتامينات، والمهدئات، وأدوية الاكتئاب، والمنشّطات الجنسية، وهلمّ جرّاً.

إن مهنتنا عمل دقيق، يحتاج الذكاء، والحيلة، والتخطيط، ورباطة الجأش، وانتهاز الفرصة، والالتزام بالوقت، والتخلص من الضحية، والقدرة على إخفاء الأثَر، وإثبات حجّة الغياب، وممارسة نشاط بديل للتغطية، والتصرّف كإنسان عاديّ، وتحسين علاقتك بالآخرين، والأهم: اكتساب ثقة شعب كامل.. وعليك أن تتقن ذلك كله، رغمَ أنك لستَ إنساناً عادياً أبداً.. وهذه التجارب والاختبارات والدراسات كلها إنما تدور حول إلصاق وصمة النقصِ بكل من يتمرّد على هذه الصفة الهزيلة: العاديّة.

إن الانتقال من ممارسة الجريمة إلى دراستها أمر يسير، لا يحتاج إلا إلى أوراق واستبانات وأسئلة ومتابعة؛ فهذا الدارس المغرور يستطيع أن يسأل القاتل القروي الفقير: ما قصة بدايات حياتك في تلك المحافظة النائية، وبماذا كنت تشعر تجاه ابن عمّك الفلاني الذي وُلد في المدينة وأصبح طياراً؟

وأما إذا كان قد وُلد في المدينة وفي فمه ملعقة ذهب فسوف يسأله طبيبه أو محقّقه أو دارسه (أياً كان): هل كنتَ مدلَّلَ والديك؟ هل شعرت بالملل من الرفاهية؟ هل أخفقتَ في تحقيق الشهرة وإثارة إعجاب الفتيات رغم ثرائك؟

كانت أسئلتها تدور حول هدف واحد: أنها تريد أن تلفّق لنا تهمة المرَض النفسي والاختلال العقلي والغباء والجهل والطفولة البائسة والفقر

إن امتهان فعل الفتك يشبه على نحو ما، مع إلغاء كافة الصعوبات الأساسية: المداومة على كتابة مذكرات يومية، أو تغيير الشقة التي تسكنها كل ستة أشهر، أو الذهاب إلى الشاطئ مرتين في الأسبوع لركوب الموج أو ممارسة الغوص أو اصطياد السمك، وأحياناً يشبه تأليف موسوعة مزينة بالرسومات…إلخ، وأنا أدرك أنكم تعلمون هذا جيّداً، وفلاسفة الجريمة يعلمونه خيراً منا جميعاً، لكنهم لا يجرؤون على البوح به حتى لأنفسهم. أما “صاد” فهي تفهم هذا أيضاً، ولكن إيمانها المطلق بمحتويات المجلات القديمة أشد وأقوى.

مِن تجارب “صاد” على “ميم”:

  • استرخِ وأغمِض عينيك، وتنفّس بعُمق.
  • ما هذا؟ هل هذا تنويم مغناطيسي؟

بنبرة احتجاج هادئة:

  • وماذا تخسر؟
  • لا شيء.
  • إذن توكّل على الله، استلقِ، أغمِض، شهيق، زفير.
  • ….
  • أين أنت الآن؟
  • معك هنا في شقّتنا.
  • أريدك أن تتخيّل أنك في طائرة متجهة إلى لندن، وأنّ بجوارك امرأة تذهب معك إلى بريطانيا للمرة الأولى.
  • نعم.
  • هل تشعر بها؟
  • نعم، وأشمّ رائحة الكريم الذي ادّهنَتْ به.
  • ما هو؟
  • كريم بنكهة الفراولة، لكنه مريح ورطب.
  • وماذا بعد؟
  • هبطنا وتسلّمنا الحقائب وركبنا سيارة أجرة.
  • وماذا بعد؟
  • أشمّ رائحة كريم الفراولة مرة أخرى.
  • وماذا بعد؟
  • نحن الآن في مطعم، خرجنا من الفندق لنتناول العشاء سوياً.
  • وماذا بعد؟
  • رائحة كريم الفراولة، هي هي.
  • وماذا بعد؟
  • مريحة، ورطبة، ومغرية.
  • على الطاولة المجاورة لك محترف مأجور، أريدك أن تستأذن منها وتجلس بجواره.
  • أنا الآن أجلس أمامه وجهاً لوجه.
  • فيمَ تفكّر؟
  • أفكّر في سِر المجلّة التي يحملها بين يديه.
  • بِلا حركات، غشّاش، أنتَ لم تنَم.
  • وأنتِ لا تفهمين شيئاً في التنويم.
  • لا تسخر مني.
  • وأنتِ لا تستغبيني.
  • طيب، افتح عينيك وواجهني على الأقل وأنت تسخر مني.

وفتَحَ “ميم” عينيه.

مقطع من مقالة مرسلة من “صاد” إلى مجلة عربيّة:

(ماذا لو كنا كائنات مختارة في الظاهر، ومجبرة في الباطن؟ يجري كل شيء في عالم الحس كأنه اختيار، وكل شخص يتحمل مسؤولية صنيعه، ولكنه في عالم الحقيقة يسير وفق حتمية لا مفرّ منها إطلاقاً؟

هل نستطيع عندها أن ندينَ عملاً ما، أو نثيب على آخر؟

إن من السهل أن يُجيب محقق جنائي بعبارة جدلية جاهزة ويقول:

“المجرم مجبر على ارتكاب الجريمة، ونحن كذلك مجبرون على مطاردته ومعاقبته”.

لكن هذا القول يهدم الأخلاق من أساسها، ويلغي دور الفكر في إدراك الصواب والخطأ، وبهذا تكون البشرية قد احتكَمت إلى قوانين مفرّغة من المعنى).

ختام:

يستلقي “ميم” على “الصوفا” البنية التي تتوسّط الصالة، ويمضغ التميس وهو يقرأ مقالة “صاد”، وهي الآن تغسل الآنية في المطبخ، وتُنهي بعض الأمور التي تعرفونها طبعاً، وقد كسر البروتوكول هو أيضاً، ووقع في فخ الروايات والأفلام البوليسية.

وعندما يفرغ من القراءة يصيح بها بأعلى صوته:

  • إذا تماديتِ في عِنادكِ هذا فسوف يطرق شيرلوك هولمز بابنا ذات يوم.
اظهر المزيد