هل يوجد زبادي يوناني بالكرَز؟


رأيت فيما يرى النائم أني أقطف كرَزاً، بيد أني لا أدري أيوجد زبادي يوناني بالكرَز أم لا؟!

وصحوتُ فنسيتُ ذلك كله؛ لأني انشغلت بشؤون غير جديرة بالاهتمام، لكن أقلّ واحد منها يكفي لتشتيت الذهن ونسيان الأحلام، كالفائدة المرجوّة من الركض خلف أشياء كثيرة لا توجد أيّ فائدة من نيلِها في النهاية.

والآن يجب عليّ في نحو ألف ومائة كلمة وبضع عشرات من الكلمات أن أقول شيئاً، مثل أنني فكّرتُ، وأنا أفتح الثلاّجة، كما يفتحها أبطال فهد العتيق وجارالله الحميد، في وجوب قتلِ شخص لا وجود له. وبما أنه لا يمكن، في الواقع، تنفيذ حكمٍ وجوديٍّ خارجيٍّ في شيء معدوم خارج الذهن= فقد تحتّم أن يُنفَّذ هذا الفعل في شخص يَفرِض منطقُ وجودِه ألاّ يعلم أحدٌ بوجودِه، في موضوعِ عمَله على الأقل، وهذا الشخص هو: جاسوس افتراضيٌّ ما. وبِما أنه لا يمكنني قتلُ مَن لا أعلم بوجوده، ولا أحد غيري يعلم بوجود هذا الشخص إلا نفسُه، فإنه ينبغي على هذا الجاسوس؛ إكراماً لخواطري، ومراعاةً لآداب مهنتي، أنْ يَقتُل نفسه مشكوراً، ثم عليّ أنْ أكافئه بعد ذلك، عرفاناً، بأن أجعل له مكان الصدارة والبطولة في هذه القصّة.

شربتُ الماء، وأغلقتُ باب الثلاجة، ولا بُدّ أنك تلاحِظ أنه لا وجود لغائطٍ في هذه القصة، فأقصى ما يمكن أن يصل إليه أبطال هذا النوع من القصص هو المرور بالمرحاض على سبيل الكِناية، وعندما يتمادَون جداً فإن أبعد ما يجرؤون عليه هو التبوّل.

رأيت فيما يرى النائم أني أقطف كرَزاً، بيد أني لا أدري أيوجد زبادي يوناني بالكرَز أم لا؟!

أتذكر أنني كنت في السادسة، وأتخيّل الآن، والتخيّل فعلٌ ذاتيّ يستمدّ تفاصيله من تجارب الواقع، إلا أنه ينحرف عنه جدّاً، وكثيراً ما يتخيّل من يظنّ أنه يتذكر، أتذكّر أني دخلت الفصل، ويدي اليمنى مكوّمة ومكرمشة في اليد اليسرى المتعرقة لأخي الكبير، وكانت السبورة خضراء، وأطلّ برأسه، ثم أدخلني بعدَه، واحتميتُ خلفَه، وعلى السبورة كان المعلّم يقف بين رسمين متواجهين لأسد ونمر، على يمين السبورة ويسارها، وهو في المنتصف، ومنذ ذلك اليوم صرتُ أربط بين هذا النموذجين بصورة عرَضيّة، عندما تسنحُ لي الفرصة.

أمرّ في هذه الآونة بنوعٍ قاهرٍ من الحزن، حزنٌ يكتسح كل شيء أمامه، تتخلّله نوبات من قنوط، وغمَرات بهجةٍ وثِقةٍ وهميّة، تتلوها هجَماتُ أسَفٍ شديدةٌ، وعزوفٌ تامّ عن أيّ فعل له علاقة بالحياة، إلا أن ذلك كله لم ينجح في أن يخفف من ولعي الشديد بتصفّح الكتب التجارية التي تتحدث عن الجاسوسية، ولا في أن يحدّ من هوسي بالقراءة في علم نفس الجريمة، حتى إنني أكاد أحفظ جميع المصطلحات الشائعة والأسماء المعروفة في هذا التخصص.

وبناء على ذلك أنشأتُ هذا النموذج:

ماذا لو كنّا نعيش في عالم بلغَت فيه الجاسوسية أقصى مدىً لها؟ ماذا لو أن كل دولة معادية للأخرى دبّرت لها مخططاً جهنّمياً، بحيث يكون الرئيس فيها عميلاً للعدوّ؟

أتذكر الآن أنّ المعلّم دعاني، وأجلسَني على كرسيّ خشبي تحت السبورة، أمام المقعد الأماميّ الأيمن، والسبورة عن يميني، وباب الفصل عن يساري، والنافذة أمامي، واتجه هو مع أخي إلى آخر الفصل، وجرى بينهما حديث جانبيّ خافت، وانشغل الطلاّب عنهما بأنفسهم، وانشغلت أنا بالنمر والأسد وبالحلبة.

انطلقَتْ صافرة الفسحة، وسارع التلاميذ إلى الفناء، كانت الاستراحة آنذاك تحينُ بعد الحصة الثالثة، وتدوم بضع عشرة دقيقة، لا أحصيها الآن بالضبط، لكنني غبتُ عن كل شيء، وَهِمتُ هُياماً بالمرج الأخضر، وبالكائنين المرقومين عليه بالريشة البيضاء.

ماذا لو فَصَلنا، على الطريقة النازيّة، رأس الأسد ورأس النمر، ووضعنا كل واحد منهما على جسد الآخر، ثم أنشَبنا القتال بينهما؟

وَهِمتُ هُياماً بالمرج الأخضر، وبالكائنين المرقومين عليه بالريشة البيضاء

تعالت الأصوات في الفناء، تَصِلُ إليّ من النافذة، وتحرّكت بُقعةُ الضوء المقتحِمة من النافذة من مكانها زاحفةً تجاه الجدار، وكأن النقطة المشعّة المرسومة في البلاط تتراجع وتنسحب حياءً من التشغيب على قوّة تركيزي، بيد أني لم أكن أعي أو أشعر بأي شيءٍ من ذلك، وكنت أدرس الموقف على نحو مما يأتي:

إذا ركّبنا رأس الأسد على جسم النمر، وجعلنا لِجذع النمر رأسَ الأسد، فقد يزداد القتال شراسة، لكن هل يعي أي واحد من الحيوانين أو يشعر بأنه، في هذه الحالة، إنما يقاتل نفسه ويقتُلها؟

سيتوصل الرئيس العميل بسرعة إلى أشد القرارات حُمقاً، وسيجترح نظيره في الدولة الغريمة الجرم نفسه، وسنفترض أن كل واحد منهما لا يدرك أن رئيس وطنه هو عميل هذه الدولة التي هو قائدها، وستكون جميع الأسرار مكشوفة لكلا الرجُلين، على نحو لا يبقى معه لمفهوم التجسس أي معنى، فالبلدان المسكينان “يلعبان على المكشوف” في الحقيقة، وهما يظنّان أنهما يبتكران المؤامرات، ويُعدّان الخطط، وينصبان الفخاخ والمكائد. إنهما يرتكبان أشد الأخطاء صواباً، أو، بالأحرى، أفدحَ أنواعِ الصواب خطأً.

وكان الواجب المتعيّن على الزعيم المظفّر هنا أو هناك: أن يصطفي أسوأ الخيارات، بشرط أن تظهر في هيئة قرارات حكيمة لا تشوبها أدنى شائبة.

لقد قُبلتُ في تلك المدرسة بالفعل، قبولاً متأخراً، وعندما خرجتُ مع أخي إلى المصوّر، لالتقاط الصور وتعبئة النماذج والمرور بالوحدة الصحية، لاحظتُ في “البرحة” المجاورة للمدرسة نموذجاً منصوباً لصاروخ “ديسكفري”، وفي المقابل محل فواكه، ظللت أتردّد عليه كل صباح بعد ذلك، ويتنازل لي عن بعض الموز الفاسد لديه، وأمام بوّابة العمارة مباشرة يقف جاويّون وبنغاليّون، يبيعون مجسمات طريّة تتضخّم عندما تُغمس في الماء، وكأنها تنمو، والأطفال يتنافسون على شرائها بجنون.

كانت الحرب قد نشبت بين البلدين، وفي أثناء تبادل الغارات الليلية والقصف المباغت طفقَ شابٌّ ظريف يؤلف مسلسلاً مثيراً جداً عن الجاسوسية، البطلة فيه فتاة إسرائيلية، تتسلل إلى إيران لكي تسهّل لدولتها إيقاع غارة موجعة بالنووي الإيراني، ولكنّ رئيستها في شعبة المخابرات هي في الباطن عميلة إيرانية… ويتعرّض الشاب الظريف الكاتب للاغتيال في ظروف غامضة، بعدما أرسل نسخةً إلكترونية من حلقة مسلسله الأولى، مع نبذة عن فكرته، إلى أحد أصدقائه في “المَجال”، وأعتقد، كما يعتقد القارئ معي، أن الحلقة المشؤومة تم اعتراضها، وأودى ذلك بحياة كاتبها التعيس.

لقد كان الزعيم يقرأ النصّ وهو مندهش ومُعجَب في قرارة نفسه بأن فكرة المسلسل ليبرالية، ثورية، حالمة، واعدة؛ فالبطلة الإسرائيلية تنجو من رئيستها، عميلة إيران، بأعجوبة، وتقع في غرام شاب إيراني منشقّ، وتسوقهما الأقدار إلى أن يؤسِّسا لثورة وطنية نبيلة خالصة من العاصمة… ذلك ما تضمنه ملخص المسوّدة التي جرى اعتراضها وإجهاض مشروعها وهو لا يزال علَقة في رحم الإيميل، وبهذا يتحقّق دحض فكرة التنمية البشرية القائلة بأن الأفكار الرائدة تحقق النجاح دائماً.

لا يوجد إكسيرٌ سحريّ لإنهاء هذه الحرب، فمهما حاول الرئيسان إيقاف العبَث فلن يستطيعا، لكن ثمة حلّاً واحداً، نعم هو رومنسي، لكنْ نعَمْ هو ممكنٌ أيضاً، وهو أنْ يلتقي الرئيسان في جلسة مفاوضات مدبّرة، متَّفَقٍ على تفاصيلها مسبقاً، ويُقدِم كل واحد منهما، بعد نصف دقيقة من تبادل عبارات المجاملة والتحيّات الودّية، وفوراً، على إطلاق النار على غريمه، تماماً في منتصف الجبهة، أو في صميم القلب، على طريقة مبارزات المسدسات التقليدية، وبهذا يكون الخائن قد قتَل نفسه وأجهز على توأمه الآخر وأصبح بطلاً على الطريقة البورخيسية، لكنّ الخطر الكامن في هذا السيناريو هو أن هذا الفعل الملحمي الجريء سيؤدي، لا محالة، إلى تغيير مسار الحرب، لكنه قد لا يُنهي الصراع، وربما يفضي إلى نتائج كارثية لم يأخذها البطَلان في الحسبان.

قد تكون مثل هذه القصص كريمة جداً فيما يتعلق بالقتل أو الاغتيال، لكن ما لا شك فيه هو أنه لا مكانَ للتغوط فيها، ولست أشكِّكُكُم في وجود الزبادي في العالم، لكن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أنه لا وجودَ إطلاقاً لشيء اسمه الكرَز، مثل تأكُّدِي التامّ من ترّسخ نموذج الأسد والنمر، المتقابلين في مواجَهة مصيرية على حَلْبة بشرية، في وجداني، ومنذ لحظة انطلاق أقدم ذكريات طفولتي المدرسية السحيقة.. لكنني أعود لأتساءل في آخر لحظة وقبل إغلاق الباب على مصراعيه: إذا كان هناك أدنى احتمال لصحة حكاية هذين الزعيمين والمبارزة التي جرت بينهما، وإذا لم يكونا سوى مثلين مضروبين للحيوانين اللذين رأيتهما مرسومين في تلك الحصة وتلك الفسحة، فيا ترى مَن ذا الذي كان يجدر به أن يُضرب مثلاً للمعلّم، أو الأخ الكبير، أو الصبي الصغير، أعني:  كاتب هذه القصة؟

اظهر المزيد